ما إن انفجرت الاحتجاجات النوبية الأخيرة، بشأن طرح أراض يعتبرها النوبيون حقاً أصيلاً وتاريخياً لهم، للبيع ضمن مشروع «المليون ونصف المليون فدان»، الذي تعرض خلاله الحكومة مساحات واسعة من الأراضي للاستثمار في محافظة أسوان (900 كيلو جنوب القاهرة)، حتى استعاد نحو 5 ملايين نوبي في مصر حلم العودة إلى «بلاد الذهب».

وعقب ثورة 30 يونيو 2013 حقق النوبيون مكسبًا كبيراً بنص الدستور في مادته 236 على التزام الدولة بوضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية، وتنميتها خلال عشر سنوات، وإعادة توطين النوبيين بإنشاء هيئة عليا لتوطينهم، غير أن قرارين أصدرهما الرئيس عبدالفتاح السيسي، أولهما رقم 444 في نوفمبر 2014، بشأن تحديد المناطق المتاخمة لحدود مصر والذي يقضي باعتبار 16 قرية نوبية أراضي حدودية عسكرية، وتبعه القرار رقم 355 لسنة 2016 بإعادة تخصيص 922 فداناً من الأراضي المملوكة للدولة لمصلحة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاستخدامها في إقامة مجتمع عمراني جديد (امتداد مدينة توشكى الجديدة)، هددا هذا الحلم.

Ad

وتعود مآسي التهجير النوبي إلى النصف الأول من القرن العشرين، حينما هجرت قرى نوبية بسبب توسعة خزان أسوان، وهي التوسعة التي أدت إلى غمر قرى نوبية بالمياه، قبل ثورة 1952، لكن في 15 مايو 1964، كانت مصر تبدأ عصراً جديداً بتحويل مجرى نهر النيل لبناء «السد العالي»، في وقت كان النوبيون الذين يقطنون جنوب البلاد فيما يُعرف بـ»بلاد الذهب» يدخلون مرحلة جديدة مما يعتبرونه «تغريبة» عن أرضهم وبيوت أجدادهم التي غرقت تحت ماء النهر، بعد بناء السد.

وعلى الرغم من المكاسب التي حققتها مصر بتأسيس السد العالي، فإن تبعات المشروع السلبية على أبناء النوبة مازالت تتواصل، فقد حكمت سياسة الأقوال لا الأفعال علاقة الدولة بالنوبيين طوال أكثر من 50 عاماً، إذ لم يتلقوا سوى وعود دون تنفيذ، منذ صدور القرار الوزاري رقم ١٠٦ لسنة ١٩٦٢ الذي خصص مساكن جديدة للمهجرين، لكنها لم تكن مناسبة لطبيعة حياتهم.

واقتصرت مطالبات النوبيين في السنوات العشر الأولى بعد التهجير على المطالبات والمناشدات للدولة، وفي خلال عصر الرئيس الراحل أنور السادات، شُكلت لجنة وزارية للتنمية الشعبية، وناقشت عام 1979 تنمية النوبة حول بحيرة السد العالي، إلا أن قراراتها لم تنفذ.

وبمرور السنوات تصاعدت حدة مطالبات النوبيين بإعادة التوطين واتخذت صوتًا أعلى، طوال 30 عاماً من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وباندلاع ثورة 25 يناير 2011، اشتعل حلم النوبيين بالعودة مُجدداً، غير أنهم لم يُصعدوا من احتجاجاتهم إلا ضد محافظ أسوان السابق مصطفى السيد، اعتراضاً على اختيار ممثليهم في الهيئة العليا للنوبة.

وخلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، لم يحظ النوبيون بأي مكسب يذكر، وشهد العام 2012 احتجاجاً من النوبيين وتهديدا بقطع الطريق للمطالبة بتخليصهم من «بلطجية» استولوا على 1850 فدانا استصلحوها بمنطقة وادي النقرة.