تعاني الكويت حالة ركود سياحي، على الرغم من امتلاكها مقومات يمكن أن تجعلها قبلة سياحية للداخل والخارج، لكن غياب الإدارة والإرادة الحكوميتين يحول دون التقدم في طريق النمو السياحي، وتحويلها من دولة تستقطب العمالة الوافدة من أجل كسب لقمة العيش، إلى وجهة سياحية جاذبة للسائحين من جميع أنحاء العالم.

بلغة الأرقام، تقع الكويت في المركز 54 عالمياً من حيث جودة البنى التحتية، أما ترتيبها من حيث المساهمة المباشرة لقطاع السياحة في الناتج المحلي حسب إحصائيات عام 2015 للمجلس العالمي للسياحة والسفر فتحل في المركز الـ145 من بين 184 دولة، بنسبة حوالي 2 في المئة من الدخل المحلي، في حين بلغ حجم الاستثمارات في قطاع السياحة خلال عام 2015 حوالي 124.6 مليون دينار، بما يوازي 1.4 في المئة من إجمالي الاستثمارات، وهي نسبة ضئيلة جداً تعكس ركود الحالة السياحية.

Ad

ويعد السائح الخليجي الأعلى إنفاقاً على مستوى العالم بنحو 1500 دولار خلال الرحلة الواحدة، بما يعادل ضعف إنفاق السائح الأوروبي، في حين يبلغ إجمالي إنفاق الكويتيين على السياحة الخارجية أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.

والسؤال، هل تستطيع الحكومة والقطاع الخاص الترتقاء بالسياحة لإقناع المواطنين بالسياحة الداخلية، بدلاً من إنفاق ملايين الدنانير سنوياً في الخارج؟ وهل الحكومة قادرة على جذب السائحين الخليجيين مثل أشقائها في دول مجلس التعاون؟ هل هناك استراتيجية لوضع الكويت على خريطة السياحة الإقليمية والدولية؟

"الجريدة" استطلعت آراء عدد من الخبراء والمتخصصين في المجال السياحي للوقوف على سبل النهوض بالسياحة، ورصد المعوقات، التي تقف في طريق تحقيق رواج سياحي بالكويت، فيما التزم مسؤولو قطاع السياحة بوزارة الإعلام الصمت ورفضوا الإدلاء بأي تصريحات على الرغم من أنهم الجهة المعنية بالقطاع السياحي.

إجراءات مدروسة

يرى عضو الجمعية الاقتصادية الكويتية د. علي الزلزلة، أن " تحويل الكويت بلداً سياحياً يتطلب حزمة من الإجراءات المدروسة، إذ لابد من إيجاد تشريعات وقوانين منظمة لصناعة السياحة، وإنشاء هيئة مستقلة تكون معنية بالسياحة، وتهيئة المجتمع لقبول السياحة وتشجيعها ودعمها".

وأضاف الزلزلة: "لو تم تطوير السياحة وأحسن استغلالها فستصبح مصدراً قوياً للدخل، يخفف عن كاهل الدولة ويدعم الاقتصاد الوطني"، مقترحاً "إقامة أماكن مخصصة لسباقات الهجن والسيارات على غرار مدينة (فورمولا 1) في البحرين، كذلك إقامة نوادٍ اجتماعية موازية للنوادي الرياضية كما هو معمول به في مصر".

ركود سياحي

وفيما يعد قطاع السياحة أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً على مستوى العالم بمعدل 8 في المئة سنوياً، ويساهم بنحو 11 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت د. نايف الشمري، أن "مساهمة السياحة في الناتج المحلي الكويتي ضئيلة جداً، مما يعطي مؤشراً على أن التطوير يحتاج إلى جهود استثنائية".

وقال د. الشمري، إن التطوير يعتمد بشكل أساسي على جودة القطاعات الرئيسية المغذية للقطاع السياحي، مثل المنشآت السياحية بتنوعاتها والبنى التحتية والمرافق، التي يقصدها السائحون، وهذه القطاعات

لا تتجاوز نسبة مساهمتها في الناتج المحلي أكثر من 8 في المئة، وهو مؤشر واضح على الركود السياحي".

وأضاف: "إذا تتبعنا ترتيب الكويت من حيث جودة البني التحتية فسنجد أنها تحتل المركز 54 عالمياً، في حين تحتل الإمارات المركز الرابع، تليها قطر في المركز 18 ثم البحرين في المركز 29، أما من حيث جودة الطرق، فإن الكويت تحل في المركز 47 عالمياً، مما يفسر تقدم القطاع السياحي في دول مثل الإمارات وقطر لجودة البنى التحتية والمرافق بها، لأن جودة البني التحتية وجودة المنتج السياحي جزء أساسي يبحث عنه السائح".

وأوضح الشمري، أن "الإنفاق الحكومي على المرافق السياحية لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، لأنه لم يحقق المردود الاقتصادي المكافئ للنفقات، لذلك نحن بحاجة إلى إفساح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في هذه الصناعة المهمة، سواء بخصخصة القطاع السياحي أو بعمل شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص".

حجم استثمارات

أما بالنظر إلى حجم استثمارات رجال الأعمال الكويتيين في مجال السياحة خارج الكويت، نجد أنه يقدر بمليارات الدولارات، فما الذي يدفع رجل الأعمال لاستثمار أمواله في الخارج بدلاً من استثمارها داخل وطنه؟! يجيب الخبير السياحي والرئيس التنفيذي لمجموعة النزهة للخدمات السياحية علي النمش قائلاً: إن "خوف المسؤولين عن السوق الكويتي من المشاريع المبتكرة نظراً إلى حداثة صناعة السياحة على المجتمع والتعقيدات الحكومية في الإجراءات القانونية، إضافة إلى المنافسة غير الشريفة وعدم تكافؤ الفرص بسبب إتاحة التسهيلات الإجرائية لمجموعات دون الأخرى تعد أسباباً رئيسية لعزوف المستثمر عن السوق الداخلي"، وضرب مثالاً لذلك بأن هناك مجموعة معينة تستثمر لحسابها الخاص في إحدى الجزر دون ترخيص ولا يوجد من يحاسبها، مؤكداً أن هذا التمييز يطرد المستثمر إلى الخارج، حيث يجد المناخ الاستثماري الجيد وصناعة سياحية ناجحة وجاذبة للمستهلك.

وأضاف النمش: "أي دولة في العالم تستطيع أن تصبح دولة سياحية إذا أزالت المعوقات التشريعية والإجرائية وتوافرت لديها إرادة تنموية حقيقية تترجم إجراءات تنفيذية على أرض الواقع، لكن بكل أسف هنا في الكويت الوعود الحكومية والخطط المعلن عنها لإقامة مشاريع تساهم في انعاش السياحة لا تترجم إلى أفعال، فنحن نمتلك جزراً طبيعية وشواطئ ممتازة لا نستغلها الاستغلال الأمثل، كما تتوافر لدينا الإمكانات والأرضية الجيدة لإقامة صناعة سياحية متكاملة، تساهم في توظيف الخريجين والحد من البطالة وإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية تساعد الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة".

وعن المرافق السياحية الحالية في الكويت، أكد أن "مستوى المرافق السياحية تعيس جداً ولا يلبي أدنى احتياجات المواطن الكويتي، لذلك يلجأ المواطنون للسفر إلى الخارج".

المشاريع الترفيهية

وعن السياحة الداخلية وطرق تنشيطها، أفاد مدير معهد السياحة والتجميل والأزياء في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب د. نبيل الخضري بأن "على الدولة وجوب تنشيط السياحة الداخلية من خلال تشجيع المشاريع السياحية الكبيرة والمتوسطة، وتنويع المشاريع الترفيهية، التي تستهدف المجتمع الكويتي في المقام الأول، على رأس هذه المشاريع تطوير جزيرة فيلكا، لأنه أصبح ضرورة قصوى، وأي تأخر بهذا الاتجاه ستكون له آثار اقتصادية مستقبلية سلبية لناحية ارتفاع تكاليف التطوير بالإضافة إلى ضياع فرص استقطاب السياح".

وأكد الخضري "وجوب الابتعاد عن التعيينات السياسية، واختيار الكفاءات في إدارة قطاع السياحة، حتى نستطيع مواكبة الدول الأخرى، ونستطيع أن ننافس، فتجارب دول الجوار أثبتت أنه متى توفر العزم وتوفرت الإرادة فبالإمكان التغلب على المعوقات، وتحويل دولنا إلى وجهات سياحية عالمية، وهذا يتطلب رؤية شاملة وعزيمة، ونحن كدولة الكويت، يجب ألا نكون نسخة عن غيرنا، بل نستطيع أن نتطور ونحتل مكانة عالمية كعلامة تجارية مختلفة عن البقية لها خصوصيتها وميزاتها.

القطاع الفندقي

من جهة أخرى، يعد القطاع الفندقي من أهم مقومات صناعة السياحة، وتخصص له استثمارات كبيرة في مختلف دول العالم، وبلغة الأرقام، تمتلك الكويت ما مجموعه 136 فندقاً ومنتجعاً ومنشأة للشقق الفندقية حسب إحصائيات 2015، كما تحتوي على 12.4 ألف غرفة وجناح، بما يعادل 23 ألف سرير، في حين بلغ عدد النزلاء عام 2015 حوالي 319 ألف نزيل، من الأرقام السابقة نلاحظ أن عدد الغرف أعلى بكثير من عدد النزلاء، وهو ما يظهر ضعف معدلات الشَّغل مقارنة بعدد الفنادق والغرف.

أما عن مدى جودة المنشآت الفندقية، وما تقدمه من خدمات يرى مدير إدارة المبيعات والعلاقات الحكومية بفندق "كراون بلازا"، عباس تقي أن "قطاع الفنادق يقدم خدمات تضاهي الفنادق العالمية، وعلى الرغم من هذا، فإن أغلب الغرف شاغرة بسبب ضعف النشاط السياحي، والحجوزات الفندقية تكاد تقتصر على مواسم الإجازات وأثناء البطولات الرياضية أو الفعاليات الرسمية، فيما عدا ذلك فإن نسبة الغرف الشاغرة أعلى بكثير من الغرف غير الشاغرة، هذه النسبة لا تعني وجود وفرة في المنشآت الفندقية بقدر ما تعني ضعفاً في الإقبال بسبب عدم وجود منتجات سياحية وفعاليات قوية تستقطب الزوار إلى الكويت، وبالطبع في حالة توفر مناخ سياحي نشط سنكون بحاجة إلى زيادة حجم المنشآت الفندقية وتطوير خدماتها".

وأضاف تقي، أن "المرافق المتمثلة في الفنادق والمطاعم والمجمعات التجارية تقدم خدمات مميزة لزائريها، وهي أكثر ما يقصده زوار الكويت من الخارج أو المقيمين".

وبخصوص تنشيط السياحة، أكد أن "أي منطقة في العالم تصلح أن تكون وجهة سياحية إذا تواجد الإنسان المبدع، الذي يجيد التخطيط والتنفيذ،... نحتاج إلى تنظيم الفعاليات والمهرجانات الاجتماعية دورياً، والعمل على تنظيم بطولات رياضية إقليمية وعالمية، والتركيز على الدعاية الإيجابية التي تبرز مميزات الكويت، وتحث السائحين سواء من المنطقة الخليجية أو غيرها على زيارتها".

وأشار إلى وجوب قيام الجهات الرسمية بالدور المنوط بها في الارتقاء بالسياحة، مع أهمية تكاتف جهود الجميع من أجل وضع الكويت على خريطة السياحة الإقليمية على أقل تقدير.

ارتفاع الحرارة لا يعوق السياحة

اعتبر خبير التنبؤات الجوية عيسى رمضان، أن "للحالة المناخية تأثيراً مباشراً على السياحة، فدرجات الحرارة المرتفعة جداً تحد من ازدهار السياحة ونموها، في الكويت خصوصاً في أشهر 6 - 7 - 8، حيث تصل الحرارة لما فوق 50 مئوية، بينما تشهد الفترة من نوفمبر إلى مارس درجات حرارة مستقرة".

وأوضح رمضان، أنه "يمكن التغلب على ارتفاع درجات الحرارة في الصيف بالإكثار من "المناطق المبردة" والتشجير، الذي يعمل كمظلات طبيعية، كما هو معمول به في دول كالإمارات وقطر".

وعن وجهة نظره في تطوير السياحة يرى رمضان أنه: "يجب إقامة مراكز ترفيهية بمستوى عالمي مثل "ديزني لاند"، والتركيز على المناطق المائية والشواطئ والمنتجعات لأنها تلقى إقبالاً من السائحين في فصل الصيف، كذلك العمل على زيادة المساحات الخضراء، لما لها من دور يرطب وينقي الجو".

مشروع استغلال الجزر... «محلك» سر
عن استغلال الجزر الكويتية الخمس (بوبيان، وربة، فيلكا، مسكان وعوهه) وتحويلها إلى منطقة تجارة حرة متكاملة، وإنشاء مناطق سياحية وترفيهية ومدينة إعلامية ورياضية عالمية وممرات مائية تضيف 35 مليار دولار للناتج المحلي سنوياً، قال عضو المجلس البلدي السابق والمرشح لمجلس الأمة هشام البغلي، إنه منذ تثمين بيوت المواطنين بجزيرة فيلكا وهذة الفكرة تتداول بين شد وجذب، ولم يتم اتخاذ أي خطوة من قبل المسؤولين تؤكد صدق النية في العمل على الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية.

وأضاف البغلي: "في الحقيقة لا أرى سبباً مقنعاً للإخفاق في تنفيذ هذا القرار، فتطوير قطاع السياحة يعد رافداً جديداً للاقتصاد الكويتي، مشيراً إلى أن كل المطلوب من الحكومة، هو القرار الحاسم وعدم الرضوخ للمتنفذين، الذين لا يسعون إلا إلى الهيمنة على الاقتصاد الوطني وتركّز رؤوس الأموال في شركاتهم دون مراعاة للصالح العام".

وقال: "إنني أعول على المخلصين من أبناء الكويت خصوصاً فئة الشباب بما يملكون من طاقات في تطوير وتنمية قطاعات الاقتصاد الكويتي بما فيها السياحة"، مشيراً إلى أنه "لا ينقصنا إلا العزيمة والقرار وهذا للأسف متعذر في حكومة، هي لا تفعل شيئاً سوى أنها تشاور نفسها، فأصبحت أيقونة للتردد "ومن يتردد بين مسجدين يرجع دون صلاة"، وهذا ما حدث فعلاً، ولم يتم تحقيق أي إنجاز في هذا الجانب حتى الآن".

وشدد البغلي على وجوب خلق كيان اقتصادي متحرر من القيود الإدارية، يكون بمنزلة الركيزة الأساسية لتنفيذ هكذا مشاريع، ويجب أيضاً تشجيع الشباب على تقديم مبادرات تجارية لصندوق المشاريع الصغيرة والمتوسطة ليحصلوا على دعم الدولة، خصوصاً أنهم أحق بإدارة هذه الأصول من بعض "المكتنزين" الذين لا يتاجرون إلا بالأصول الثقيلة كالعقارات والاستثمار الخارجي والإنشاءات".

تطوير المطار... بوابة تنشيط السياحة

لا مجال لإحداث تنمية فى القطاع السياحي دون وجود مطارات على درجة عالية من الكفاءة، ويقول الخبير الاقتصادي محمد الثامر، إن "المطارات من أهم البنى التحتية، التي تحتاجها الدول سواء لخدمة المسافرين وتجارة الترانزيت أو لتنشيط الحركة التجارية الداخلية".

وأضاف أن مطار الكويت بحاجة إلى زيادة قدرته الاستيعابية ليتسع لأي أعداد من المسافرين خصوصاً لو أنشئت مشاريع من شأنها إحداث نشاط سياحي في البلاد.

وبخصوص التطوير يرى الثامر، أن "تطوير المطار يلزمه إنشاء خطوط طيران تصل الكويت بجميع الدول لتوفير الوقت والجهد، كما يحتاج لتحسين الخدمات، التي يقدمها للركاب ومنحهم كل التسهيلات الممكنة".

وأضاف أنه تم التعاقد مع شركة تركية لرفع كفاءة المطار وطاقته الاستيعابية، مؤكداً أن مثل هذا المشروع يفيد الدولة أكثر من مشاريع ينفق عليها ملايين الدنانير دون تحقيق عائد اقتصادي مجدٍ، حيث إن توسعة المطار ستساهم في رفع الطاقة الاستيعابية لـ(مبنى الركاب رقم2) إلى 25 مليون راكب و(مبنى الركاب المساند) لـ 5 ملايين راكب سنوياً.