خلال الأسابيع القليلة الماضية كانت الصحف البريطانية تنقل لقرائها أخبار معركتَين متناقضتين في ساحة القتال في الشرق الأوسط، تدور الأولى في الموصل في شمال العراق، أما الثانية فتشمل حلب التي تبعد بضع مئات من الكيلومترات إلى غربها، مع أنها تبدو نقيضها التام، ففي هذه المدينة نرى حاكماً مستبداً قاتلاً وعاقدا العزم على نشر الدمار بشن حرب ضد شعبه.

من الممكن في كلتا الحالتين تفادي الكثير من الدماء المُراقة لو سمحت المجموعات الإرهابية للمدنيين بالمغادرة،

Ad

نعم يرتكب الأسد وحلفاؤه جرائم حرب، لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد، فعندما زرتُ المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في حلب التقيت أناساً هربوا من حياتهم في المناطق التابعة لتنظيم "القاعدة" أو "داعش" في شرق المدينة. أخبرني هؤلاء قصصاً بشعة عن الجهاديين الذين فرضوا شكلاً وحشياً من الشريعة، فمنعوا التعليم في المدارس، وأرغموا النساء على ارتداء البرقع والبقاء في المنزل، علماً أن عدداً قليلاً منهم من السوريين.

صبت التقارير الغربية كل اهتمامها في القتال في الموصل على تحرير الكنائس، لكن القصة عينها تنطبق على كل مناطق سورية، وقبل سنتين انضممتُ إلى قوات الحكومة السورية أثناء تحرير مدينة معلولا الشرقية (حيث لا يزال السكان يتحدثون الآرامية، لغة المسيح). تعرّض الدير الشهير المرتفع فوق هذه البلدة لعملية تحطيم وتشويه مريعة على يد مقاتلي "القاعدة"، أما في حلب فتراجع عدد المسيحيين من 200 ألف إلى 25 ألفاً على الأرجح، ويعود ذلك إلى معرفة المسيحيين في حلب أنهم سيتعرضون للذبح، إذا انتصر المجاهدون في الشرق الذين يلقون الدعم من بريطانيا والولايات المتحدة.

يُطَبّق هذا المعيار المزدوج أيضاً على تغطية الفظائع الروسية والسورية، فقد تناولت تقارير كثيرة تلك البراميل المتفجرة التي يلقيها الروس على حلب، لكن قادة الثوار في شرق حلب يستخدمون أسلحة بشعة أيضا، ففي شهر أبريل الماضي أقر مقاتلو جبهة الشام الذين يحظون بدعم المملكة العربية السعودية، ويعتبرهم الدبلوماسيون الأميركيون معتدلين كفاية للحفاظ على روابط معهم، أنهم استخدموا أسلحة كيماوية ضد الأكراد في حلب، لكن هذا الهجوم لم ينل اهتماماً يُذكر في وسائل الإعلام ولم يولّد أي استياء أو غضب في بريطانيا.

استخدمت جبهة الإسلام ما دعته "مدفع جهنم" لتطلق عبوات الغاز وشظايا يصل وزنها إلى 40 كيلوغراماً على مناطق مدنية تحت سيطرة النظام، ولا شك أن هذه لا تقل فتكاً عن البراميل المتفجرة، وتشير التقارير في الصحف الغربية أن مدافع جنهم تشكّل مثالاً للإبداع الهندسي الذي يعرب عنه الثوار الشجعان، لكن صحافيين قلائل توقفوا عند واقع أن هذه الأسلحة المبتكرة استُخدمت عمداً لقتل المئات في حلب.

يُطبَّق المعيار المزدوج ذاته على تدمير المستشفيات أيضاً، فعندما زرتُ حلب قابلت محمد الحزوري، رئيس قسم الصحة في مستشفى الرازي، فأخبرني أن مجموعات الثوار، عندما دخلت المدينة، أوقفت العمل في ستة من المستشفيات الستة عشر، فضلاً عن مئة من المراكز الصحية المئتين والواحد، كذلك ألغت خدمات الإسعاف.

أما مشفى العين في حلب، الذي كان أحد أهم مراكز العلاج في شمال سورية، فقد حوله الثوار إلى سجن للمعتقلين. أكّد لي الحزوري أيضاً أن موظفيه بذلوا قصارى جهدهم لمدّ المستشفيات بالمستلزمات في مناطق الثوار، إلا أنهم تعرضوا للصد في معظم الحالات.

نلاحظ نمطاً أكثر شمولية في هذا الإطار: عندما يحاول أعداء الغرب استعادة مناطق مدنية من الإرهابيين، يُندَّد بهم، ولكن عندما يقوم حلفاؤنا بالمثل ندافع عنهم، وهكذا نحكم على الأسد وفق مجموعة معينة من القواعد وعلى أنفسنا وحلفائنا وفق مجموعة مختلفة تماماً.

* «سبيكتاتور»