كان من المتوقع أن يتساءل الناس مع بداية العام الدراسي عن معنى المنهج الوطني الجديد المسمى "منهج الكفايات" باعتبار أن أغلبية المجتمع ليسوا معلمين، لكن المفاجأة أن تجد المعلم وإدارته من بين السائلين، وهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تنفيذه وتحقيق أهدافه... فما منهج الكفايات؟ وما الخلل؟

على عكس المنهج التقليدي للمدارس الحكومية في السنوات الماضية، منهج الكفاياتCompetency-based curriculum يعني طريقة في التعليم تضمن تمكّن كل طالب من المعرفة والمهارة المقررة (الكفاية) بغض النظر عن الوقت المستغرق في ذلك، وفق أعلى مستوى ممكن لمهارات التفكير؛ فمثلاً قد يمضي طالب ساعتين دراسيتين في التمكن من مسألة رياضية (حلاً وشرحاً وتطبيقاً في مختلف مجالات الحياة) ويمضي غيره في المرحلة نفسها نصف هذا الوقت، وكلاهما ينجح ويتفوق وينتقل إلى المرحلة الدراسية القادمة، فالعلم يقول لنا إنه لا يوجد شخص غير قادر على التعلم كباقي أقرانه، لذلك لا تهمنا المفاضلة بين الطلبة في كيف أو متى يتقنون دروسهم.

Ad

وعلى ذلك فمن غير العدل تعليم جميع الطلبة المتفاوتين تحت الظروف نفسها، بأسلوب واحد وفي وقت زمني واحد وبطريقة تقييم موحدة كما هو معمول به في النظم التعليمية التقليدية، حيث يُتوقع من جميع الطلبة وبغض النظر عن قدراتهم المختلفة أن يهضموا المنهج ويحققوا مستوى واحدا من الفهم خلال فترة محددة ليتم تحديد مصيرهم كل عام بنتيجة أدائهم في الاختبارات النهائية.

جاء منهج الكفايات ليتميز بثلاثة ملامح أساسية؛ الأول أنه يتمركز حول المتعلم، فتُعطى مساحة من الحرية لكل معلم لاختيار ما يناسب طلابه داخل الفصل من طرق وأساليب تعليمية دون تدخل من أي جهة خارجية، وهذا يعني أن تتعدد طرق التعليم في المرحلة الدراسية الواحدة بين كل مدرسة ومدرسة، بل بين كل صف وصف، والثاني أنه يقوم على المخرجات، بمعنى أن يُعطى المعلم مساحة كبيرة من الحرية لتحديد الطريقة والوقت اللذين يقيّم فيهما الطالب، وعليه فله فترة العام الدراسي كاملاً لإيصال كل طالب إلى مستوى التمكن من الكفايات (المعارف والمهارات لكل مرحلة دراسية)، والثالث أن منهج الكفايات يقوم على التمايز، وهو أن يوفرّ المعلم أنشطة تعليمية وواجبات ومشاريع تناسب مستوى كل طالب على حدة، يكفل به تطوّره على حسب مستواه، وبهذا يضمن تمكّن الجميع مع نهاية العام الدراسي.

تلك الملامح الثلاثة الرئيسة تستوجب وساطة معلم ذي كفاءة عالية كشرط أساسي أول لنجاح المنهج الوطني الجديد، وعلى أقل تقدير إطلاع المعلم بشكل كاف وواف على ماهية منهج الكفايات وكيفية تطبيقه في الميدان، وكذلك تستوجب مواءمة الاختبارات النهائية مع تطلعات المنهج الحديث وأهدافه كشرط أساسي ثان، إلا أن وزارة التربية وقعت في خطأين: الأول هو سوء التخطيط لعملية تدريب المعلمين فيما يختص بالمنهج، حيث أقامت دورات سريعة لمحاضرين غير متمكنين من التدريب، فاشتكى من سطحيتها وعدم كفايتها غالبية الحضور، والثاني إغفال تعديل آلية تقييم الأداء، ومنها الاختبارات النهائية التقليدية التي ما زالت تقيس أدنى مستويات التفكير، مما يعني عدم ملاءمتها لأهم أسس منهج الكفايات.

بالنظر للسيناريو الذي أقر فيه الملف الإنجازي سابقاً، يمكننا التنبؤ بفشل المنهج الوطني الجديد إذا ما استمرت الوزارة على الإصرار على الخطأ نفسه، فالنجاح حليف من يحسن التخطيط، وفي ميدان التعليم إذا أريد لأي مشروع أن يؤتي ثماره فمن الضروري أن يؤمن به المعلم ويقتنع بفعاليته، وتُسخر له جميع العوامل المساعدة، ألم يأنِ للوزارة أن تعيد النظر في السبب الذي يجعل تغييراتها التعليمية المستمرة والمفاجئة غير مقبولة؟ أما آن لها أن تتجه لإقناع أهل الميدان والمجتمع بهذه التغييرات قبل إقرارها حتى يكون الجميع شريكاً في إنجاح خططها؟!

مستوى عال من الفهم والدراية هو الهدف من منهج الكفايات.