يرى المؤلف سمير فريد أن صحافيين كثيرين كانوا يدعون إلى مصادرة الأفلام في مصر ومنعها من دون الفهم النقدي أو الوعي بالمفهوم السينمائي للفيلم، معتمدين في ذلك على جهلهم بفن السينما، بل شاركهم في هذا الجهل والمطالبة بالمنع أحياناً بعض النقاد الممالئين للنظام السياسي في البلد في محاولة منهم ليكونوا أكثر وطنية وأخلاقية ممن ينتمون إلى الأنظمة السياسية.

ومن المعارك التي يذكرها المؤلف في كتابه «تاريخ الرقابة على السينما في مصر» معركة موافقة يوسف بك وهبي على تمثيل شخصية النبي «محمد» عام 1926 في فيلم ألماني، وهي انتهت بتراجعه عن ذلك بناء على فتوى من الأزهر. ويسوق الكاتب ما أورده وهبي في الجزء الثالث من مذكراته التي صدرت في حياته عام 1976: «في أثناء الموسم زارني في مسرح رمسيس الأستاذ الأديب التركي وداد عرفي، وقدّم لي سيداً يُدعى الدكتور كروس وهو يُمثل مؤسسة سينمائية ألمانية مشهورة، وكان نال موافقة رئيس الجمهورية التركية على إنتاج فيلم إسلامي ضخم باسم «محمد رسول الله» وأعد السيناريو، وصرحت بتصويره لجنة من كبار علماء الإسلام في أسطنبول. تظهر في الفيلم شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وتُصور مناظره الخارجية في صحراء السعودية، واقترح أن أرسم شخصية النبي»، ووافق يوسف وهبي على القيام بالدور، بل وقع عقد التمثيل في السفارة الألمانية بعشرة آلاف جنيه». لكن ما إن نُشر الخبر في الصحف حتى ثار السادة رجال الأزهر، وثار معهم الرأي العام، على حد تعبير يوسف وهبي، و{ظهرت في الصحف فتوى من شيخ الأزهر تنص على أن الدين يُحرم تحريماً باتاً تصوير الرسل والأنبياء ورجال الصحابة رضي الله عنهم».

هنا ثارت ثائرة الصحافة المصرية بالكامل على يوسف وهبي لدرجة أنها اتهمته بالخروج عن الدين والمروق من السنة النبوية، وتواصل الهجوم عليه لفترة طويلة على صفحات الجرائد، ما دفعه في النهاية إلى عدم تمثيل الفيلم، لا سيما أنه يقول في مذاكرته: «بعث إليّ الملك فؤاد تحذيراً قاسياً مُهدداً إياي بالنفي، وحرماني من الجنسية المصرية».

Ad

الخضوع للسياسة

يشير المؤلف إلى خضوع السينما للتقلبات السياسية من خلال قضية الفيلم الصامت «زينب» للمخرج محمد كريم. طلب الأخير في فبراير 1929 تصوير لقطات لقوات الجيش في الفيلم وذلك على حد تعبيره، لأن الجيش في الأمم كافة عنوان نهضتها، ورمز قوتها، ولكن طلبه قُوبل بالرفض التام. كذلك كرر كريم الطلب عام 1951 حينما عمل على تصوير المشروع مجدداً كفيلم ناطق لكنه قوبل بالرفض أيضاً. أما فيلمه «أولاد الذوات» عام 1932 فكتبت عنه جريدتا «لابروص» و{المقطم» مطالبتين بمنعه من العرض، لأنه يصور المرأة الأوروبية في صورة شائنة بالنسبة إلى المصريين. لكنه استمر في العرض رغم تأليب الصحافة السلطة عليه.

وفي عام 1937، بدأ عرض فيلم «ليلى بنت الصحراء» من إنتاج وإخراج بهيجة حافظ وتمثيلها، لكن الحكومة أوقفته بسبب زواج ولي عهد إيران من الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق، وتعارض ذلك مع القصة التي تصوّر الصراع بين العرب والفرس. وهو ما حدث أيضاً مع «لاشين» للمخرج فريتز كرامب عام 1938، إذ مُنع الفيلم لأن فيه مساساً بالذات الملكية ونظام الحكم، كما زعم البعض، ولولا تدخل طلعت باشا حرب لما عُرض مجدداً.

معركة رقابية

يذكر الكتاب أهم معركة رقابية مع السينما المصرية من خلال أربعة أفلام في السبعينيات، وهي: «العصفور» للمخرج يوسف شاهين الذي تناول هزيمة الخامس من يونيو 1967 ورغبة الشعب في تحرير أرضه بالقوة، و{زائر الفجر» للمخرج ممدوح شكري الذي عبّر عن بشاعة القهر ورغبة الشعب في الحرية والديمقراطية، و{التلاقي» للمخرج صبحي شفيق الذي صوّر الفساد والانحراف في أجهزة الدولة ورغبة الشعب في الإصلاح والتغيير، و{جنون الشباب» للمخرج خليل شوقي الذي عرض للطلاق بين الأجيال والانحراف الأخلاقي.... وكانت هذه الموضوعات كافة من المحرمات التي لا يجوز التعبير عنها بلغة السينما.

ويواصل الكتاب استعراضه مواقف الرقابة والجدل الذي صاحب أفلام «المذنبون» و{درب الهوى» و{خمسة باب» و{ناجي العلي»، كذلك يعرض معارك كثيرة أثارتها الصحافة ضد السينما المصرية، ما جعل الصحافة في نهاية الأمر رقيباً أقوى من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، بحسب المؤلف، رغم أن معظم الصحافيين الذين ينادون بذلك ويتحدثون في السينما لا يفهمون فيها أو في النقد السينمائي.