• أصبح «دويتشه بنك» بعد 146 سنة على تأسيسه، عرضة لأنواع الازدراء كافة، ولا يحظى بهذه المعاملة من المراقبين الخارجيين وحدهم. استناداً إلى عدد هائل من المقابلات وساعات طويلة خُصّصت لتحليل الميزانيات العمومية وآلاف الملفات، تبيّن أن انهيار «دويتشه بنك» ينجم عن عقود من قيادة فاشلة بلغت ذروتها مع فقدان السيطرة التامة على الشركة من كبار المديرين خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1994 و2012.تتمحور هذه القصة حول كل من هيلمار كوبر ورولف بروير وجوزيف أكيرمان، قادة «دويتشه بنك» خلال تلك السنوات المصيرية، فقد حوّلوا البنك إلى مجموعة متهورة من مصرفيين استثماريين إنكليز وأميركيين قبل أن يصل أمير هؤلاء التجار أنشو جاين إلى أعلى منصب ويخصص ثلاث سنوات إضافية لدفع البنك بسرعة فائقة نحو الهاوية.تتعلّق القصة أيضاً بجمود رؤساء البنك وعدد آخر من أعضاء مجلس الإدارة والمجالس الإشرافية، فيما كان جاين وأبطال جدد آخرون في القطاع المصرفي الاستثماري يغيّرون معالم المؤسسة المالية الألمانية المرموقة خدمةً لغاياتهم الشخصية، فسرقوا من البنك روحه من دون أن ينجحوا في تحسينه وزيادة قوته.
يمكن إلقاء اللوم على أشخاص محدّدين مثل المتحدثين باسم مجلس الإدارة (نسخة من مديري البنك التنفيذيين قبل ظهور نموذج القيادة التنفيذية بعد عام 2000) وأعضاء الإدارة العليا والمجلس الاستشاري على مرّ سنوات عدة. لم تكن إخفاقاتهم القيادية ترتبط بشكل أساسي بقلة الكفاءة المهنية لأن الأشخاص المعنيّين كانوا ولا يزالون مثقفين جداً، وأثبتوا احترافهم عبر استعمال خبرتهم الواسعة. يكمن سبب إخفاقهم في مكان آخر ويرتبط تحديداً بالعوامل الثقافية والنزعات النفسية.أفلس «دويتشه بنك»! ربما يتمكّن من تجاوز 7800 دعوى قضائية يواجهها راهناً، أو يتقلّص حجمه لدرجة ألا يطرح بعد الآن أي مخاطر على النظام القائم، أو ينجح في إيجاد مستثمرين لمساعدته في جمع رأسمال كافٍ لتلبية المتطلبات القانونية. وفي أصعب الظروف، ربما يحصل على خطة إنقاذ من الدولة الألمانية. لكنه سيبقى مفلساً مقارنةً بما كان عليه: كان بمثابة ماركة مسجّلة ورمزاً بحد ذاته وأسطورة ألمانية.
بداية المشكلة
أراد أسياد المؤسسة الألمانية أن يصبحوا أسياد الكون كله مع أنهم ما كانوا يجيدون اللغة الإنكليزية، فبدا «دويتشه بنك» نموذجاً قديماً بين الثمانينيات والتسعينيات. بدأ مصطلح «العولمة» يظهر خلال التسعينيات، في زمن النشوة الاقتصادية، غداة سقوط جدار برلين وانتصار الرأسمالية على الشيوعية التي وصلت إلى نهايتها التاريخية. لاحقاً ظهرت شبكة الإنترنت التي غيّرت قواعد اللعبة وأصبحت الإنكليزية فجأةً اللغة الطاغية في كل مكان. كذلك ظهر «الاقتصاد الجديد» بينما اعتُبر «الاقتصاد القديم» المبني على الصناعة جزءاً من الماضي. بات المستقبل يرتكز على الاقتصاد الافتراضي وأصبحت «قيمة حقوق المساهمين» القوة الدافعة لمختلف الجهود الاقتصادية.بدأ الوضع يتغيّر في القطاع المصرفي أيضاً. بعدما كانت الأموال تُكتسَب بالسندات والأسهم والسلع، زادت الرهانات على تقلبات قيمة السندات والأسهم والسلع.أصبحت الحرب العالمية الثانية قديمة بما يكفي واختبر الاقتصاد الألماني أعجوبته: حان الوقت للنظر إلى ما وراء البحار. قررت شركات لها قدرات عالمية فتح مقرها في ميونيخ وشتوتغارت وبرلين وبلدات أصغر حجماً، وكانت تحتاج إلى بنك كي يقف إلى جانبها خلال مرحلة التوسّع. في تلك الفترة أيضاً، بدأ كبار المديرين الألمان يسمعون بمبالغ طائلة يكسبها نظراؤهم في الولايات المتحدة. ربما اعتبروا تلك الرواتب والعلاوات غير لائقة، لكن بقي احتمال اكتساب تلك المبالغ جاذباً.ميتشيل وخمسون لصاً
في نهاية التسعينيات، ذهب «دويتشه بنك» للتسوق وازدهر. بدأ البنك يوظّف «غزاة» يحتفلون مع فرقة «رولينغ ستونز» ولم يطرح الألمان القادمون من بلدات صغيرة أسئلة كثيرة عن حقيقة ما يحصل.في هذه المرحلة، جاء دور إدسون ميتشيل، رمز الحقبة الجديدة: ربما كان قصيراً جداً لكنه بدا قوياً وكان يرتدي دوماً أغلى البذلات الرسمية. بدا «عدائياً بطريقة إيجابية» وأراد دوماً أن يطلق الرهانات ويتنافس مع الآخرين. نادراً ما كانت مقابلات الموظفين معه تدوم أكثر من دقيقتين، وكان يحدّد بعد تلك اللقاءات الخاطفة الأشخاص الذين يُسْمَح لهم بالبقاء والأشخاص المضطرين إلى الخروج. في عام 2000، مات إدسون ميتشل خلال حادث تحطّم طائرة وكان يبلغ 47 عاماً.في عام 2001، تولى جاين رئاسة قسم «الأسواق العالمية» بعد ميتشيل وسرعان ما أصبح نجماً بمعنى الكلمة. خلال عهده، وصل «دويتشه بنك» إلى المرتبة الرابعة في سوق المشتقات المالية العالمية فيما بدأ البعض يصدر تحذيرات قاتمة وراح البعض الآخر يغادر القطاع. حذّر «بنك التسويات الدولية» في «بازل»، أو ما يُسمّى البنك المركزي للبنوك المركزية، من استعمال الأدوات الجديدة لتوسيع المخاطر. لكن لم يتأثر جاين ولا الصحافيون في «فايننشال تايمز». اقتبست هذه الصحيفة القائمة في لندن كلام محلّلين اعتبروا جاين مديراً «من الدرجة الأولى» كونه «يستطيع اجتراح العجائب».خسرت الأطراف كافة أهميتها في هذه المرحلة، باستثناء الأميركيين والبريطانيين. هكذا سُحِقت الهياكل القديمة التي صمدت طوال مئة سنة تقريباً. هل كان إدسون ميتشيل يكسب 30 مليون دولار في السنة فعلاً؟ وهل تحوّل نصف الأرباح الإجمالية التي كانت تساوي مئات ملايين اليورو بعد عام 2000 إلى علاوات تصل إلى جيوب كبار التجار؟ وهل كان مدخولهم أعلى من جميع أعضاء مجلس الإدارة في «فرانكفورت»؟على صعيد آخر، لماذا أصرّت الإدارة على استقدام كايلي مينوغ إلى مؤتمر المستثمرين السنوي في برشلونة؟ ماذا عن فرقة «رولينغ ستونز»؟ ولماذا أنفق أكيرمان مئات آلاف الدولارات لاستئجار مركز كينيدي كله في نيويورك ودعا الضيوف إلى عرضٍ يشمل أفضل نجوم الأوبرا في عصرهم؟ هل كانت هذه الخطوات ضرورية بالنسبة إلى عمل البنك الأساسي؟موقع قيد البناء
خسر «دويتشه بنك» طابعه الألماني. أراد تحقيق إنجازات كثيرة خلال وقت قصير وأصبح أميركياً أكثر من الأميركيين نفسهم، فسرعان ما أصبح الإشراف شائباً ووصل أكيرمان لاستلام البنك. هكذا خسر الأخير معقله ومركزه وتخلى عن الألمان العاملين فيه، وهم الموظفون الذين افتخروا بالعمل هناك طوال عقود. أوضح لهم أنهم لا يجيدون إلا القيام بأعمال روتينية لا يمكن الاستغناء عنها للأسف، مثل تنظيم ملفات القروض والحسابات، ويسهل استبدالهم في أي وقت. في المقابل، اعتُبر كبار صانعي الأموال في لندن ونيويورك أشخاصاً لا بديل عنهم في نظر كبار المديرين في مقر «فرانكفورت».في عهد كوبر وبروير، أراد «دويتشه بنك» تحقيق إنجازات كثيرة بسرعة فائقة، فحاول إطلاق عمليات معقدة جداً في الوقت نفسه والانتقال من الثقافة الألمانية إلى الثقافتين الإنكليزية والأميركية من دون توقّع عواقب هذه الخطة. أصبحت الإنكليزية اللغة الطاغية في العمل، وطرح هذا الوضع مشكلة لأن بعض المديرين الأكبر سناً ما كانوا يفهمونها بدرجة كافية. ظنّ قادة البنك أيضاً أنهم سيتمكنون من التخلي عن نموذج العمل التقليدي للانتقال إلى نموذج البنك الاستثماري العدائي من دون مواجهة أي آثار سلبية.في نهاية التسعينيات، بدأ البنك يفقد سيطرته.أكيرمان و«مشعلو الحرائق»
حين تولّى جوزيف أكيرمان قيادة «دويتشه بنك» في عام 2002، بدأت «ثورة» حقيقية. راح البنك، بعد مرور 132 سنة على تأسيسه، يقلّد هياكل القيادة الإنكليزية والأميركية. كان التحول الثقافي هائلاً. حتى تلك المرحلة، كان رئيس «دويتشه بنك» المتحدث باسم المجلس وواحداً من مجموعة مسؤولين في المرتبة نفسها، وكان يجب أن تحظى القرارات كافة بإجماع المجلس كله. في المقابل، كانت البنوك البريطانية والأميركية تخضع لقيادة مدير تنفيذي يترأس جميع أقسام البنك، وكانت صلاحيات البنك كلها تصبّ في هذا المنصب وحده.حصر أكيرمان مجلس الإدارة وخفّض عدد أعضائه من تسعة إلى أربعة وأنشأ هيئة جديدة بدت أشبه بنقطة التقاء بين أفكار القادة الشيوعيين والرأسماليين: تألفت اللجنة التنفيذية الجماعية من 12 عضواً وشكّلت مركز السلطة الجديد في البنك وأصبحت أشبه بمجلس إدارة بديل. هكذا تحوّل أكيرمان إلى «ملك الشمس» بالنسبة إلى البنك ولا شك في أنه استمتع بمكانته الجديدة.لكن أعطى الانقلاب التنظيمي الذي قام به أكيرمان أثراً إضافياً. من خلال نقل معظم القرارات المهمة من مجلس الإدارة إلى اللجنة التنفيذية، تراجع تأثير المجلس الإشرافي على قيادة البنك. وفق القانون الألماني، يمكن أن يراقب المجلس الإشرافي مجلس الإدارة حصراً، لذا كان أعضاء المجلس الإشرافي يعرفون المعلومات التي يختارها أكيرمان عن نشاطات الأقسام التي تخضع لسيطرة المجلس التنفيذي. وزادت صعوبة المراقبة الفاعلة حين استقال أولريش كارتيليريس في عام 2004. بعد تلك المرحلة، لم يبقَ إلا مصرفي متدرّب واحد في المجلس الإشرافي: رولف بروير.بدل أن يعيد «دويتشه بنك» تقييم نموذج عمله والمخاطر التي يواجهها والمستقبل الذي ينتظره بأسلوب حذر وسريع، لم يتعلّم البنك شيئاً من الانهيار المفاجئ. تحت قيادة أكيرمان، خسر البنك ثقله الفكري وهياكله التنظيمية التي تسمح له بقيادة نقاش فاعل حول الانهيار الوشيك الذي تجنّبه القطاع المصرفي كله بصعوبة بالغة. عَلِق البنك في مشاحنات شخصية وسخيفة وفوّت على نفسه فرصة البدء من جديد.حين استلم جاين منصب أكيرمان في عام 2012، بقي البنك واحداً من المؤسسات المالية القليلة التي تابعت عملها الاعتيادي حول العالم. لكن بما أنه استخفّ بعواقب أزمة عام 2008، لم يفهم بأي جدّية تعامل المشرّعون مع ذلك التطور. أدركت «فرانكفورت» في مرحلة متأخرة جداً أن المنظّمين قد يتحركون لكبح القطاع المصرفي الاستثماري.القواعد للحمقى
شارك «دويتشه بنك» في الصفقات كافة وكان يكسب أكبر الأرباح حين يعاني عملاؤه. كان العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أشبه بتقرير للشرطة. في أبريل 2002، نشرت الصحيفة الألمانية «فيلت زونتاج» مقابلة مع «المصرفي النموذجي» فريدريش فيلهلم كريستيانز، كان المتحدث باسم مجلس إدارة «دويتشه بنك» قبل أن ينتقل إلى المجلس الإشرافي في عام 1988. كان يحتفل بعيده الثمانين حين أجاب عن بعض الأسئلة عن الأيام الخوالي ووضع البنك الراهن.سُئل كريستيانز إذا كان يعتبر الرواتب المرتفعة والنشاطات الأخرى التي يقوم بها المصرفيون الاستثماريون مبررة، فأجاب: «طبعاً لا. بسبب هذا النوع من النشاطات، يقضي البنك الذي حمل تاريخاً من النجاح والتقاليد لأكثر من مئة سنة على معالم مهمّة كثيرة. لطالما كان العمل في «دويتشه بنك» مميزاً. لكن لا يبالي الشباب بهذه المسائل. لا يهتمون إلا بتلقي العلاوات».عكس رأيه صوتاً من الماضي لكن لم يسمعه أحد في اللجنة التنفيذية التي ترأسها أكيرمان في «فرانكفورت». كانوا يتكلمون باللغة الإنكليزية، حتى أن بعضهم لم يكن يعرف كريستيانز المسنّ أصلاً.كانت السنوات اللاحقة مليئة بنشاطات فاضحة وأمضت أجهزة الدولة لاحقاً سنوات عدة لتحليلها. بدءاً من عام 2005، بدأ «دويتشه بنك» يبيع كميات هائلة من قروض الرهن العقاري التي نُظّمت بطريقة مشبوهة وأُعيد جمعها بشكل متكرر. وعشية الأزمة المالية، سمح لنفسه بارتكاب حيلة بارزة كانت كفيلة بتدمير ما تبقى من سمعته المرموقة. لم يكتفِ ببيع سندات عملائه التي أصبحت بلا قيمة في نظر تجّار البنك، بل سمح للمصرفيين الاستثماريين فيه بالرهان في «وول ستريت» على تراجع قيمة تلك السندات وكسب الأرباح على حساب عملاء البنك.غريغ ليبمان الذي انضمّ إلى «دويتشه بنك» في عام 2000 هو اسم التاجر الذي راهن في النهاية بخمسة مليارات دولار ضد منتجاته الخاصة. يمكن قراءة قصته التي تحوّلت إلى فيلم ضمن تقرير أعدّه مجلس الشيوخ الأميركي حول أسباب الأزمة المالية. يتضمن التقرير أيضاً شهادة مفادها أن ليبمان حصل، في ثلاث مناسبات خلال شتاء عام 2007، على الإذن من أنشو جاين لمتابعة نشاطاته غير الأخلاقية. يقال إن ليبمان كسب مليار ونصف مليار دولار من البنك نتيجة لتلك الرهانات. من المثير أن نعرف إذا تلقى علاوة سخية مقابل جهوده فيما كانت المليارات تختفي حول العالم في عام 2008.يأتي بسهولة يذهب بسهولة
بدت استراتيجية أكيرمان ناجحة في البداية. في ذروة نجاحها، حقق البنك 31% من عائدات الضرائب على حقوق المساهمين التي أصبحت أعلى بمرتين مما كانت عليه في عام 1994، وفق التقديرات.لكن كانت المظاهر البغيضة وغير المألوفة تتعلق بِحيَل ووحشية استعملها أكيرمان لتحقيق هدفه. كان يطالب أعوانه دوماً بإعادة شراء أسهم «دويتشه بنك» وتدميرها. لا تُعتبر هذه الممارسة غير قانونية، بل تطبّقها شركات الأسهم باستمرار لتخفيض القيمة النقدية للأملاك. لكن من ناحية أخرى، كان أكيرمان يؤذي الشركة على المدى الطويل لتحسين أرقام الميزانية العمومية على المدى القصير.في بداية عهد أكيرمان، بلغت حصص الرأسمال الأساسي في البنك %10. وفي ذروة الازدهار وبداية الأزمة، خفّضها أكيرمان إلى أقل من %9، ما يعني أن عتبة الرساميل في البنك بدأت تتقلّص تزامناً مع زيادة المخاطر المطروحة. وفق المصطلحات المصرفية، زاد مستوى الاستدانة في «دويتشه بنك» الذي كثّف استثماراته بأموال (ديون) الناس الآخرين مقابل تقليص استعمال أمواله الخاصة. في «دويتشه بنك»، كانت نسبة الدين مقارنةً بحقوق المساهمين تبلغ أحياناً 40:1 في تلك الأيام.لكن لا يمكن احتساب التكاليف التي انعكست على سمعة البنك بسبب نشاطات جاين وأكيرمان. كيف يمكن أن يعوّض الأخير عن تضرر سمعة «دويتشه بنك» الذي تحوّل إلى مؤسسة مالية معرّضة للازدراء وبعيدة كل البعد عن جذورها الألمانية؟بدأت العلاوات تتوالى في المرحلة اللاحقة. بين عامَي 1994 و2015، ارتفع عدد موظفي البنك بنسبة 30% لكن زاد مجموع الرواتب بنسبة 200% وبلغ 13 مليار يورو. وصل أكبر جزء من هذا المبلغ إلى فريق جاين ولم يتراجع ذلك الرقم كثيراً منذ وقوع الأزمة. في عام 2015، كان 756 موظفاً في البنك من أصل مئة ألف يكسبون أكثر من مليون يورو. لكن مقابل ماذا؟خسر جوهره
لم يتعلم «دويتشه بنك» دروساً كثيرة من الأزمة المالية العالمية. يحبّ أكيرمان تلاوة الأرقام التي تثبت بحسب رأيه أنه استخلص دروساً صعبة من الأزمة، لكن لم تحصل أي تغيرات جذرية.تابع «دويتشه بنك» التلاعب في «وول ستريت» ولندن بلا توقف وكأنه انفصل بالكامل عن الواقع وتخلى عن خبرته في العمل. وفق تقرير نشرته مجلة «وول ستريت جورنال»، تبلغ نسبة الدين مقارنةً بحقوق المساهمين فيه حتى اليوم 24:1 بينما تراجعت هذه النسبة في «غولدمان ساكس» إلى 9:1. ولا يزال البنك يتلاعب بالمليارات على شكل مشتقات مالية، أي سندات تراهن على التطورات المستقبلية. لا تطرح ملفات المشتقات المالية أي مخاطر كبرى بحسب مراجع الإدارة الراهنة. لكن نظراً إلى كل ما يحدث، خسر المستثمرون الثقة بالبنك كما حصل مع «ليمان براذرز». إذا كرر التاريخ نفسه، قد يدخل «دويتشه بنك» في دوامة جهنمية.لكن كيف ستستمرّ قصة «دويتشه بنك» وهل ستستمر أصلاً؟ هل سيتّكل البنك على جون كراين، نقيض أكيرمان؟ فيما كان المصرفي السويسري يصرّ دوماً على اعتبار البنك أقوى مما هو عليه، يبدو كراين الآتي من بريطانيا منفتحاً مع الموظفين بشأن العجز الحاصل ويتحدث علناً عن المسائل الشائبة. لكنه أخاف العملاء وأصحاب الأسهم بهذه الطريقة: لا أحد يريد أن يودع أمواله في بنك خاسر في قطاعه. منذ أن أصبح كراين المدير التنفيذي، انخفض سعر السهم في «دويتشه بنك» بنسبة 50%، حتى أنه تراجع أحياناً إلى أقل من 10 يورو، علماً أن هذا السعر تسجّل آخر مرة خلال الثمانينيات.خسر البنك هويته وكُلّف راهناً بتحديد أهداف جديدة في أسوأ فترة يمرّ بها القطاع المصرفي. هكذا أصبح وضع «دويتشه بنك» بعد 146 سنة على تأسيسه، بعدما اعتُبر رمزاً لألمانيا وركيزة مالية للبلد، وبعدما كان مديروه يحظون بالاحترام والإعجاب باعتبارهم أشخاصاً يتمسكون بقيم البلد ويتوقعون سلوكاً مماثلاً من موظفيهم.انتهت تلك الأيام. اختفى «دويتشه بنك» الذي كنا نعرفه. قال أحد كبار المديرين السابقين إن البنك تحوّل إلى «معقل للداروينية» ومكان يخلو من المنافسين والأعداء. أصبح رؤساء الشركة متغطرسين ومهمِلين. بل أصبحت المؤسسة المرموقة مجرّد أداة لخدمة مصالح عدد صغير من الأفراد الذين باتوا أغنياء بشكل استثنائي. لم يعد قادة البنك القدامى يتمتعون بالقوة الكافية لإنهاء الفوضى، فكانوا كسالى وجبناء بما يكفي لمراقبة الوضع من دون تحريك أي ساكن. هكذا ذهبت جهود الأجيال السابقة أدراج الرياح. ومع ذلك يُقال لنا إن أحداً ليس ملاماً على ما حصل!