حاول محللون كثر تفسير المنطق وراء أعمال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا وسورية وغيرهما من الأماكن، لكنني أعتقد أن الجواب بسيط: يسعى بوتين إلى جعل روسيا عظيمة مجدداً، وقد حقق بعض النجاحات ومُني ببعض الإخفاقات.

لكن إبداع بوتين يكمن في أن الجميع يعرفون نجاحاته، أما إخفاقاته فليست بارزة إلى هذا الحد، وقد تعمّد ذلك بالتأكيد، وقد حققت الحملة الدعائية، التي أطلقتها وسائل الإعلام الحكومية الروسية، نجاحاً مذهلاً في تقديم رواية موسكو الجيو-سياسية للعالم.

Ad

يُعتبر بوتين من أشد المؤمنين بشعار مكيافيللي: من الأفضل أن يخافك الناس بدل أن يحبوك، فمن إرسال غواصة حربية إلى القناة الإنكليزية إلى نشر إعلانات عن الأسلحة الروسية في سورية والتدخل المحتمل في السباق الرئاسي الأميركي، تبدو كل هذه الأعمال مصممة لإظهار روسيا بمظهر القوة العظمى التي يجب على الأقل احترامها والتعاطي معها، فمن الضروري الإصغاء إلى صوت روسيا وأجندتها.

وهنا ينشأ سؤال مهم: كيف يجب أن يتعاطى الرئيس الأميركي المقبل مع روسيا؟ وكيف ينبغي أن تتعامل الولايات المتحدة مع أعمال روسيا الفدرالية في سورية، وأوروبا الشرقية، ودول البلطيق، وغيرها من المناطق؟

من الضروري اتخاذ خطوات عدة:

أولاً، على الغرب أن يعزز فاعليته في حرب المعلومات ورواية المواجهة التي تنشرها روسيا في العالم.

فقَدَ بحث الولايات المتحدة التاريخي عن الحرية والديمقراطية أهميته في ظل إدارة أوباما، التي سعت إلى إضعاف القوة الأميركية، القاسية منها والناعمة. خلال العهد السوفياتي نجحت إذاعة أوروبا الحرة وغيرها من وسائل الإعلام الغربية في إخبار الناس وراء الستار الحديدي وحول العالم بما ندافع عنه ومنحت المظلومين الأمل.

علينا اليوم إعادة بناء هذه الرؤية والمقدرة مع بذل وسائل الإعلام العصرية جهوداً مماثلة حول العالم بغية سرد الرواية الأميركية. باتت الحرب الهجينة واقعاً، وتجيدها روسيا ببراعة، لذلك آن الأوان لنعود إلى الحلبة.

ثانياً، يلزم أن نواجه الاعتداءات الروسية في المناطق التي تقتضي فيها مصلحتنا الوطنية ذلك، في هذه المناطق فحسب.

يشكّل حلف شمال الأطلسي مثالاً جيداً. يجب ألا يرضى هذا الحلف بالخطوط الوردية كما حدث في سورية، فمن الضروري أن تكون عواقب التدخل في الدول الأعضاء واضحة لكل مَن يهددها.

تشكّل تركيا مشكلة كبيرة في الوقت الراهن، ولا بد من حلّ هذا الوضع، ونحتاج إلى قائد يتمتع بمهارات تفاوض عالية ليحدّ من تفاقم هذه المشكلة، ونأمل أن نحظى بقائد مماثل في البيت الأبيض في غضون الأشهر القليلة المقبلة.

أخيراً ينبغي أن يتعاون الرئيس المقبل بصراحة مع موسكو في المستقبل في المسائل التي تتلاقى فيها مصالحنا،

فثمة أوضاع عدة تندرج في هذه الخانة، ولعل أبرزها الحرب ضد الإرهاب، إذ يشكّل الإرهاب بلاء من الضروري القضاء عليه حول العالم.

باختصار، نظراً إلى ضعفنا الاقتصادي في الوقت الحالي، على الولايات المتحدة أن تختار معاركها بدقة، وترسم خطوطاً حمراء فعلية وعالية المصداقية، وتعيد تركيز أهدافها على المسائل الأهم، مثل أمننا القومي، وأوروبا الغربية، والحرية، والديمقراطية، والرأسمالية لا تلك المسائل الغامضة التي تُصنَّف ثقافياً من التهويل الماركسي مثل الاحتباس الحراري والحدود المفتوحة.

نقف عند مفترق طرق بالغ الأهمية في تاريخنا، في حين تبرز روسيا بقيادة بوتين، وكما ذكر جون واين "الحياة قاسية، إلا أنها تصبح أكثر قسوة إن كنت غبياً".

آن الأوان لتحظى الولايات المتحدة لمرة برئيس ينجح في استغلال أوراقه الضعيفة بمهارة وحنكة على غرار بوتين.

* ل. تود وود