كيف انخرطتَ في الأعمال الخيرية؟
كان والداي يشاركان في أعمال تطوّعية كثيرة وكنا نتحدّث دوماً عن نشاطاتهما في المساء. حين أسستُ شركة «مايكروسوفت» شجّعتُ الموظفين فيها على القيام بالمثل. حين يقدمون هبة إلى منظمة من اختيارهم، كانت الشركة تضاعف قيمة تلك الهبة. هكذا أصبحت «مايكروسوفت» رائدة في هذا المجال. لطالما اعتبرتُ السخاء أفضل ما يمكن أن يفعله أصحاب الأموال.كيف قررتَ أن تنشئ هذه المؤسسة؟
بدأت الفكرة في عام 1993، حين كنت في رحلة سياحية إلى إفريقيا. ذهبتُ مع ميليندا إلى تانزانيا وزائير وكينيا. لم يسبق لنا أن شاهدنا الفقر عن قرب: رأينا نساءً حافيات في الشوارع وأولاداً يعانون سوء التغذية... فهمنا حينها معنى الحياة من دون المظاهر اليومية الاعتيادية: الطرقات، أنظمة الري التي تسمح بالزراعة بغض النظر عن المناخ... أتذكر أنني ذهبتُ بعد فترة إلى مستشفى. كان جميع الأولاد مرضى. لم يبقَ كثيرون منهم على قيد الحياة. أتذكر أيضاً العيادات التي تصل إليها النساء الحوامل في مرحلة متـأخرة فيَمُتْنَ في مكانهنّ مع أطفالهن بسبب التهابٍ يسهل الشفاء منه في بلدنا. أمضيتُ وقتاً طويلاً أيضاً في هايتي. هذه الحوادث كلها فتحت عينيّ على الحقيقة.ما كان رد فعلك؟
رحتُ أتساءل عن سبب ما يحصل هناك وما يمكن فعله لحل تلك المشاكل. بدأتُ أبحث عن أي حلول محتملة وفهمتُ أنها غير موجودة. لذا أنشأتُ المؤسسة.في عام 2000، قدمّتَ أموالاً طائلة لمؤسسة «بيل وميليندا غيتس» وجعلتَ منها أهم جهة خيرية في العالم. بماذا تشعر حين توقّع على شيك مماثل؟
إنها تجربة حماسية. كانت تلك المبادرة تعني أنني أنشئ فريقاً جديداً على صورة «مايكروسوفت» مع أفضل المواهب، وتسمح هذه الاستراتيجية بحصر أكثر المشاكل إلحاحاً وتقديم أفضل نظام توزيع في أكثر المناطق حرماناً فضلاً عن نشر علوم واعدة وعقد شراكات مفيدة...هل وافق أولادك على هذا المشروع؟
قررت أنا وميليندا قبل زواجنا أن نخصص جزءاً أساسياً من ثروتي للمؤسسة الخيرية. لم يكن الأولاد وُلدوا بعد. لكني أظنّ أن إعطاءهم ثروتي ما كان ليفيدهم. سيعود معظم الأموال إلى المؤسسة.لماذا؟
أولادي الثلاثة محظوظون جداً كونهم يقصدون أفضل المدارس وأفضل الأطباء. وحين يصبحون راشدين، سيتدبرون أمورهم. لكن يجب أن يكبروا بنفسهم ويحددوا مسارهم ويكتشفوا الحياة بطريقتهم الخاصة.ألا تفكر بإنشاء سلالة «غيتس»؟
لا أظنّ أن العالم يحتاج إلى ملك أو أرستقراطية. سبق وعشنا ظروفاً مماثلة. يواجه كل جيل تحدّياته الخاصة، وينجح أشخاص منتمون إلى سلالات معروفة في إنشاء شركاتهم ومشاريعهم الخاصة رغم إرثهم...هل يدعم أولادك فكرة «أبيهم الذي يريد إنقاذ العالم»؟
يزور الأولاد إفريقيا ويطّلعون على الأعمال التي نقوم بها. لكني لا أنقذ العالم بل أساهم بكل بساطة في إنقاذ حياة البشر وتخفيض معدل الوفيات ومعالجة سوء التغذية بقدر ما أستطيع.هل تعمل بقدر ما كنت تفعل سابقاً؟
ما زلت أعمل كثيراً لكن لم يعد جدولي مشحوناً بقدر ما كان عليه قبل ولادة أولادي. أصبح عملي في الشركة رمزياً. أسافر في معظم الأوقات. أقرأ وأفكر باستمرار. بعد ذهابي إلى باريس حيث وقّعتُ عقد شراكة مع الوكالة الفرنسية للتنمية، أذهب إلى لندن لمقابلة عدد من العلماء. وفي نهاية الأسبوع، أعود إلى سياتل حيث يقع مقر المؤسسة لمراجعة استراتيجيتنا المبتكرة.ندم وفخرألا تشعر بأي ندم تجاه «مايكروسوفت»؟
لا. عملي في المؤسسة حماسي جداً. بدأتُ أعمل فيها بدوام جزئي طوال ثماني سنوات. ومنذ 14 سنة، أصبح دوامي كاملاً هناك. لكني ما زلت أعطي رأيي حول تطوير بعض المنتجات الجديدة في «مايكروسوفت». لم أنقطع بالكامل عن الثورة الرقمية!ما أكثر ما تفتخر به؟
أفتخر بإطلاق لقاحات أنقذت حياة ملايين الناس وببذل قصارى جهدي كي تحصل بلدان العالم الثالث على الأدوية التي حُرِمت منها حتى الآن لأنها لا تشكّل أسواقاً مربحة بالنسبة إلى مختبرات الأدوية. نجحنا خلال بضع سنوات في استئصال شلل الأطفال بشكل شبه كامل. خصصتُ وقتاً طويلاً لهذا الهدف، وتحديداً في بلدان وضعها صعب مثل نيجيريا وباكستان وأفغانستان. وعقدنا شراكات مثمرة جداً مع مؤسسات محلية.تقول إن إنهاء الفقر المدقع أمر ممكن بحلول عام 2030. ماذا تفعل لتحقيق هذا الهدف؟
لستُ أنا من أقول ذلك بل الأمم المتحدة. إنه هدف ممكن طبعاً. لتحقيقه، لا بد من إحراز تقدم في مجالَي الصحة والتعليم. لا يدرك كثيرون حجم التقدم الحاصل حتى الآن. نسمع دوماً عن أزمات مثل وباء الإيبولا المأساوي. لكن يتقدم العالم فعلياً بخطوات واثقة. مثلاً، تراجعت وفيات الأطفال إلى النصف بين عامَي 1990 و2015 وستتحسن هذه النتيجة بالنسبة نفسها على الأرجح بحلول عام 2030.من هم أبطالك اليوم؟
عالم الكيمياء الفرنسي لويس باستور الذي أنقذ حياة أكبر عدد من الناس على الأرجح، وجميع العلماء المجهولين الذين يعملون على ابتكار الحلول، والمتطوعون الميدانيون الذين يناضلون في أصعب المناطق لتأمين الأدوية للناس. حصلت أنا وزوجتي ميليندا أيضاً على شرف التعاون مع نيلسون مانديلا في موضوع نبذ المصابين بفيروس الإيدز.سياسة وانتخابات
لم تطلق أي مواقف بشأن الانتخابات الأميركية...نعم لأن مؤسستي ليست حزبية. تابعت نشاطاتها بلا مشاكل في عهد جورج بوش الابن وباراك أوباما وحتى بيل كلينتون خلال التسعينيات.هل سبق وقابلتَ دونالد ترامب؟
لا. ما من قواسم مشتركة بين أعمالنا. أعرف وارن بافيت، واحد من أقرب أصدقائه. لكني لم أقابل ترامب شخصياً.ما رأيك بقوله إنه قدّم تضحيات كبرى لتأمين فرص عمل كثيرة؟
دونالد ترامب يدلي بتصريحات مفاجئة دوماً.هل تعرف هيلاري كلينتون؟
نعم. قابلتُ زوجها بيل في عام 1991 أو 1992 خلال الحملة الرئاسية، قبل انتخابه. ثم قابلتُه مجدداً في البيت الأبيض مع آل غور. لكني عدتُ ورأيتُه بشكل متكرر حين أنشأ مؤسسته، لا سيما أننا نقدم أكبر الهبات إلى «مبادرة كلينتون الصحية». قابلتُ هيلاري كلينتون أيضاً حين كانت وزيرة الخارجية في بلدان مثل باكستان وأفغانستان.ستشهد الأشهر المقبلة استحقاقات انتخابية كبرى في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. ما الذي تنتظره؟
أتمنى ألا تنعكس تلك الاستحقاقات سلباً على الالتزامات الدولية المرتبطة بالتنمية ومكافحة الأوبئة. فرنسا سخية وهو عامل إيجابي. والولايات المتحدة سخية أيضاً مع أن المساعدات الأميركية تبقى أقل من المساعدات الفرنسية مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي. يجب أن يدرك الناخبون حجم التقدم الذي نحرزه عبر مساعدة البلدان الفقيرة.هل تعرف لمن ستصوّت في 8 نوفمبر؟
نعم لكني لن أفصح عن الاسم. أنا مسجّل كناخب مستقل على اللوائح الانتخابية الأميركية. لكن يمكن تخمين خياري بسهولة من كلامي عن الالتزامات الدولية.هل تريد أن يتذكرك الناس كمؤسس شركة «مايكروسوفت» أو رئيس المؤسسة الخيرية التي أنقذت حياة كثيرين؟
لا أسعى إلى أن يتذكرني الناس، باستثناء أولادي طبعاً. أعمل كثيراً اليوم لاستئصال مرض الإيدز وأظن أن اللقاح سيظهر قبل موتي. لكن بعد إيجاد الحل، ستصبح المشكلة وراءنا ولن يتذكر أحد الشخص الذي وجد العلاج.