اقتربت الحرب على "داعش" من دخول أسبوعها الثاني، لكن خلافاً لكل ما صدر من بلاغات عسكرية من أكثر من جهة، فإنه يمكن القول، دون أي تجنٍّ على الذين أصدروا هذه البلاغات، وما أكثرهم، إن الإنجازات الفعلية هي "صِفْرٌ مربعٌ"، كما يُقال، وإن هذا التنظيم الإرهابي لا يزال يقوم بهجمات معاكسة، وعلى أكثر من محور وجبهة، وإن القوات المُحرِّرة المهاجمة لا تزال تبعد عن أطراف الموصل، وليس عن مركزها وقلبها أكثر من عشرة أميال، وإن ما يسمى "الدولة الإسلامية" لا يزال متماسكاً، إنْ من الناحية العسكرية، وإنْ من الناحيتين السياسية والإعلامية.

وهذا يعطي مصداقية، لكن من دون صدق، للتصريحات التي صدرت عن أعلى المستويات في إدارة باراك أوباما، وأكدت أن الحرب على هذا الـ"داعش" ستستمر خمسة عشر عاماً، أي أكثر من ضِعْفي ما استغرقته الحرب العالمية الثانية، وبالطبع، فإن هذا التقدير من الممكن أنه في حقيقة الأمر أُمنية، وليس استنتاجاً يستند إلى تقديرات عسكرية تستند إلى معرفة فعلية بموازين القوى، إنْ بالنسبة لهذا التنظيم الإرهابي، وإنْ بالنسبة للتحالف الدولي، الذي تجاوز عدد المنضمين إليه، والملتحقين به الستين دولة.

Ad

إنه لا يمكن التشكيك في كفاءة الجيش العراقي، ولا في شجاعة جنوده وضباطه، وهذا ينطبق على قوات "البيشمركة" الكردية التي قائدها الأعلى مسعود البارزاني، الذي أمضى معظم سنوات عمره في الخنادق، وفي سلسلة الجبال المشتركة بين العراق وتركيا وإيران. فالمشكلة أن هذه الحرب، التي من المفترض أنها حرب من الجميع على "داعش"، ما إن بدأت بأول رصاصة، حتى تحولت إلى حروب متعددة بأبعاد طائفية ومذهبية، وبدوافع قومية وبتنافس إقليمي ودولي جعلها تتحول و"رأساً"، وعلى الفور، إلى تصفية حسابات بين المكونات العراقية، وبين الأكراد والعرب، وبين تركيا وإيران، وحيث اختلط الحابل بالنابل، وعلى ما هو جارٍ الآن في أطراف الموصل والمجالات الحيوية المحيطة بها.

الكل رأى زعيم "عصائب أهل الحق" الطائفية، وهو يقف مع عدد من قادة "عصاباته" في منطقة الموصل، لكن بعيداً عن مدى النيران "الداعشية"، ويهدد والزبد يتناثر من شدقيه بالانتقام لمقتل الحسين في طفِّ كربلاء، وبتكرار أنه ومن معه قادمون لقتل أحفاد أولئك الأجداد الذين ارتكبوا تلك المأساة الكربلائية، وهذا بالطبع هو حافز أكثر من ثلاثين تنظيماً طائفياً من التَّجني والتجاوز على الحقيقة التي ما غيرها حقيقة اعتبارهم من الطائفة الشيعية الكريمة والشريفة، فهؤلاء وفي مقدمتهم "الحشد الشعبي"، بقيادة هادي العامري، أتباع لحراس الثورة الإيرانية والتزامهم بالجنرال قاسم سليماني أكثر كثيراً من التزامهم بالولي الفقيه.

لقد تحولت هذه الحرب، التي من المفترض أنها لتحرير الموصل والقضاء على "داعش"، هذا التنظيم الإرهابي الذي ثبت أن ولاءه لإيران وروسيا ونظام بشار الأسد، أولاً إلى حرب انتقامية من العرب السُنة، وغير معروف لماذا وماذا فعل هؤلاء؟! ثم إلى حرب إقليمية بين الأتراك والإيرانيين، بالإضافة إلى دوافع السيطرة على مناطق النفط في شمالي العراق، وهكذا، وعندما كان الروس قد "تكهنوا" بأن القضاء على هؤلاء الإرهابيين يحتاج إلى فترة خمسة عشر عاماً، فإنهم بالتأكيد قد أخذوا ومبكراً في اعتبارهم كل هذه الحقائق.