ليس متوقعاً أن يكون هناك اعتراض على ترشيح سعد الحريري لجنرال الجيش اللبناني السابق ميشال عون للرئاسة اللبنانية، التي بقيت شاغرة فترة طويلة، بسبب "فيتو" حزب الله اللبناني، الذي ينفذ في هذا المجال - كما هو معروف - "أجندة" نظام بشار الأسد، وبالطبع الأجندة "الإيرانية".

فهذا الرجل الذي غادر لبنان مدة 15 عاماً أمضاها في باريس تحت الحماية الفرنسية، معروف بتقلباته السياسية، ومعروف أن شهوة الحكم قد دفعته إلى الانقلاب على نفسه وعلى قناعته، والذهاب "راكعاً" إلى إيران لـ "التبرُّك" بعباءة الولي الفقيه، وإلى أنه أصبح مجرد "برغٍ" صغير في معادلة السياسة السورية.

Ad

لكن في حقيقة الأمر أن هذا هو لبنان، وأن هذه هي طبيعة التقلبات السياسية اللبنانية، وحيث إن التحالفات السياسية متغيرة حسب المصالح باستمرار، وحيث إن أعمدة الجبهة اللبنانية، التي كانت مع بداية اندلاع شرارة الحرب الأهلية في منتصف سبعينيات القرن الماضي تتمترس في خندق المواجهة مع النظام السوري، وبخاصة كميل شمعون وبيار الجميل، لم يجدوا ضيراً ولا عيباً في أن يذهبوا إلى دمشق التي قالوا فيها أكثر مما قاله مالك في الخمر، وأن يشبعوا حافظ الأسد لثماً وتقبيلاً ومن الوريد إلى الوريد، وأن يتحالفوا معه ضد جبهة الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وضد منظمة التحرير والمقاومة الفلسطينية بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

كل شيء جائز في لبنان، فصديق اليوم يصبح عدواً في الغد، والعدو يصبح صديقاً، حسب المصالح السياسية، فالخريطة السياسية في هذا البلد الجميل متغيرة باستمرار، ولذلك فإنه أمر عادي أن يفاجئ سمير جعجع حلفاءه في "الرابع عشر من آذار"، وأن ينتقل في ليلة "ما فيها ضوء قمر" من خندق إلى خندق آخر، وأن ينحاز إلى ميشال عون ويقدمه ضد سليمان فرنجية مرشحاً لرئاسة الجمهورية.

ولذلك فإنه يجب ألا يكون مستغرباً أن يفاجئ سعد الحريري، الذي اضطرته الاستحقاقات السياسية أن يذهب إلى دمشق بينما لم تكن دماء والده رفيق الحريري قد جفت بعد، حتى رفاقه في تجمع "المستقبل"، ويعلن أنه "عفا الله عما مضى"، ويرشح أكبر عدو له ولتحالفه ميشال عون، حبيب حزب الله وحسن نصرالله، لانتخابات الرئاسة اللبنانية... وأغلب الظن أنه سيفوز في هذه الانتخابات!

إن دافع سعد الحريري إلى هذا الانتقال المفاجئ هو منع لبنان من الانهيار التام، وهو تدارك أوضاع "السنة" اللبنانيين المرتبكة والمتهاوية، وهو استعادة التحالف السني – الماروني التاريخي، وهو الابتعاد ببلد الأرز عن هذه الأزمة السورية التي يبدو أن مستقبلها أسوأ كثيراً من حاضرها وماضيها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك من وصف الإقدام على هذه الخطوة بأنه يشبه الانتحار بالقفز من الطابق الثاني، بينما الامتناع عنها يشبه الانتحار بالقفز من الطابق العاشر.

وحقيقة أن هذه القفزة تعد مغامرة خطيرة بكل معنى الكلمة، حيث إن أغلب الظن أنها قد تكون إحدى ألاعيب هذا النظام السوري، الذي من المعروف أنه يتعامل مع لبنان على أساس أنه حديقة سورية الخلفية، لإنهاء بقية ما تبقى من الظاهرة الحريرية، وربما أيضاً للتخلص من ميشال عون لمصلحة سليمان فرنجية.