"نظراً للظروف الإقليمية الدقيقة، وما تفرضه التحديات الأمنية في البلاد من ضرورة العودة إلى الشعب مصدر السلطات لاختيار ممثليه للتعبير عن توجهاته وتطلعاته والمساهمة في مواجهة تلك التحديات، تم حل مجلس الأمة المنتخب بنظام الصوت الواحد عام ٢٠١٣".

سبق ذلك الحل بأربع وعشرين ساعة مكاشفةُ رئيس المجلس للشعب بمجمل رؤاه وتقييمه للمجلس الذي رأسه، وللمشهد السياسي المحلي والإقليمي، وانتهى بتحليله إلى استحقاق حل المجلس للسبب ذاته المرافق لمرسوم الحل، وكذلك ضرورة إيجاد تشكيل وزاري جديد يتناغم مع متطلبات المرحلة محلياً وخارجياً.

Ad

تسبيب الحكومة لحل البرلمان ألبس المجلس مسؤولية الفشل في التعامل مع الظروف الإقليمية، وبالتالي وجب حلّه والاحتكام لصناديق الاقتراع بافتراض إتيان الناخبين بمجلس ذي بنية سياسية رصينة وحنكة في العلاقات الدولية!

الحكومة حافظت على ودّها المتبادل مع المجلس المغادر الذي وفّر لها استقراراً وانسجاماً لم تحلم به طوال ما يزيد على ثلاث سنوات، ولم تشأ أن تجرح مشاعر أعضائه المسالمين، بالرغم من تحركات بعضهم للمساءلة الضاغطة لعدد من الوزراء ومصادمتهم لحزمة الحكومة في معالجاتها الاقتصادية، فضلاً عن إحراجهم لها في خواتيم علاقتهما الحميمة المشتركة، وآخرها ملهاة الخمسة والسبعين لتر بنزين!

الحكومة لم تذكر طبعاً تلك المسببات كمسوغ للحل أكثر واقعية من التسبيب المعلن، كما أنها في الوقت نفسه لم تشرح لنا مثلاً لماذا حمّلت المال العام ما يزيد على سبعمائة مليون دينار لتبييض وجوه بعض أعضاء المجلس (الذي طالبت بحلّه) في العلاج السياحي لناخبيهم! ولماذا شرعت للبعض منهم الأبواب في التعيينات والنقل والمزايا التنفيعية للمفاتيح والأتباع؟! وكيف أثرى عدد كبير من النواب المغادرين ثراءً فاحشاً من خلال بوابة هذا المجلس والمجالس السابقة له؟ أليس لتمكينهم من العودة لمقاعدهم في البرلمان؟!

الحكومة لم توضح لنا مسؤوليتها المشتركة مع المجلس عن الصمت بشأن سيل الرشاوى والعبث الإداري وتأصيل الفساد الذي تنوء بحمله البعارين، في عدد كبير من الدوائر الحكومية دون حساب أو عقاب!

التأويلات الدستورية والرسمية تخفي دون شك آمالاً سياسية لا تستطيع الحكومة أن تفصح عنها، وهي أن الانتخابات المبكرة تعد المعبر الآمن لأجواء انتخابية يسودها المناخ اللطيف في خريف الكويت، وتهيئة حضور أعلى للناخبين ومشاركة أكبر من مناخ الصيف اللاهب، وكذلك فالانتخابات المبكّرة هي استباق لأعاصير مرتقبة إقليمياً ومحلياً، خاصة بعد شهر أبريل من العام المقبل! وهي انتخابات تتم بموعد أكثر أماناً لجهة عدم تمكين الشرسين من المرشحين العائدين، من التسلّح بترسانة متعبة من مواد الهجوم على الحكومة كلما امتد ما تبقى من عمر المجلس الراحل.

إذاً فإن نتاج ذلك كله سيعني شهيق وزفير ارتياح واسترخاء عمره سنوات أربع لا عشرة شهور.

نعم، الكرة الآن في ملعب الناخبين، وهم أصحاب العقد بعد أن قال كلمته مالك الحل، فهل سيقدرون على تسديدها لإصابة الأهداف المأمولة؟

وماذا لو أعاد الناخبون المستفيدون من الخدمات نوابهم السابقين، وهم في الغالب من العناصر الذين عنتهم مسببات الحل؟!

أخيراً، فإن الشعب توّاق لتشكيل حكومي وبرلماني "أفضل" يحاكي المشهد السياسي الملتهب محلياً وخارجياً، وإلاّ فـ"لا طبنا ولا غدا الشر"!