هلا شرحت لنا أولاً العنوان {بابل}؟إنه أصعب ما يمكن شرحه بصراحة. العنوان ليس مجرد تلخيص للرواية بل له رنة وبيئة خاصة، ويشكّل بحدّ ذاته أمراً غامضاً. {بابل} بالنسبة إلي هو العالم الضائع. الإنسانية التي سبقتنا. أي {بابل} عصرنا هذا، تلك المتعلقة بالصور. بغض النظر عمّا أقصّه حول الهجرة، إنها صور الشارع، صور من ماتوا اليوم وسيلفّهم النسيان ولم يخلفوا شيئاً وراءهم.
ألهذا السبب تكتبين؟ كي تخلّفي شيئاً وراءك؟لا أبداً، فأنا لا أؤمن بهذا المنطق بتاتاً. قلّة من يخلّفون أثراً وراءهم. أساساً من يدّعي ذلك شخصٌ مجنون. التاريخ لا يحفظ إلا ما يشاء. معظمنا، وأنا بين هؤلاء، لن نخلّف شيئاً وراءنا. لا يتملّكني أي وهم في هذا المجال. أكتب كي أهرب من الحياة. حين نكتب لا نكون تفصيلاً صغيراً من الكون بل نشارك في خلقه. من هنا ثمة حماسة أسوة بتلك الناشئة من علاقة عاطفية مغامرة أو أيّ تحدٍ مشوّقٍ آخر. الكتابة حقل لتجارب محتملة، وفي الوقت نفسه تعبير عمّا لا يسعنا قوله في الحقيقة، تعبير عن رغباتنا واضطراباتنا التي غالباً ما ندرك وجودها في الحياة الحقيقية.الشخصيات في روايتك ليست أبطالاً بل هي شخصيات حقيقية عادية. ما الذي يسحرك فيها؟لطالما كنت منجذبة إلى الشخصيات {العادية} ولطالما كتبت عنها في رواياتي. الأشخاص الذين يعانون الوحدة، أو التعساء في المجتمع، أو الخاسرون كما في {آدم هابربرغ}. أجد في أولئك غموضاً أو {شعراً} لا أجده في الشخصيات البطولية. لكل حياة بعدٌ من العدم أساساً. الفراغات هذه هي التي تسحرني. على أي حال، عندما نسير في حياة المجد تكون طريقنا لامتناهية وكأن فيها نقصاً ما دوماً.أليس البحث الأزلي جوهر الحياة أصلاً؟طبعاً. إنها الحياة كما هي. الحياة التي في الواقع تفلت من بين أيدينا ولا يسعنا التقاطها. أين نبحث وعمّ نبحث؟ تطرح الرواية هذا السؤال: ما هو مغزى وجودنا على هذه الأرض؟ وأقتبس هنا عبارةً من الفيلسوف {جانكيليفيتش}: {ما مغزى هذه النزهة؟}، لأقول بأن المغزى هو ما أشعر به في أعماق ذاتي. هذا هو المغزى.
مأساة هزلية
هل كتابة هذه الرواية أعطتك الإجابات التي كنت تبحثين عنها؟لا. ولم أعرف يوماً أن الأدب يعطي إجابات عمّا نطرحه من أسئلة. ربما تساعدنا القراءة في توضيح بعض التفاصيل، فقد أضاء بعض الأدباء طريقي ولكن لم يشبعوا نهمي حول المسائل الكبرى. الكتابة لا تساعد في شيء هنا.يعتبر البعض العنوان {بابل} هزلياً فيما يراه البعض الآخر مأساوياً؟ أيهما أسلم برأيك؟يزعجني أن يرى القارئ عنصراً في الرواية من دون العنصر الآخر. يعطيني ذلك انطباعاً بأن جزءاً منها بقي غير مقروء، في حين أنني أمزج غالباً بين الاثنين في كل ما أفعل. لسببٍ بسيط هو أن الحياة إنما هي كذلك، فهي تحمل في طياتها تناقضاً كبيراً. يكفي أن نخطو خطوة صغيرةً مثلاً ليتغيّر منظار الأمور. مخرج {فن} في لندن وصف عملي {بالمأساة الهزلية} ويعجبني هذا الوصف في الحقيقة. الرواية أشبه بأدبٍ مسرحي يدور في مكانٍ مغلق. لم اخترت أن يكون العمل روايةً وليس عملاً مسرحياً؟لا أعتقد أن الرواية يمكن أن تكون عملاً مسرحياً. قال لي آخرون هذا الأمر ولكنني لا أعرف كيف يمكن نقل الذكريات والتفاصيل الداخلية كلها في مسرحية. ينبغي عندها الاكتفاء بـ %10 من الكتاب. حتى لو لم أكن أنا صاحبة الرواية لما تخيلتها في المسرح ولا أحد غيري يتخيّل ذلك أنا متأكّدة. لا يمكن تحويل هذه الرواية إلى عمل مسرحي. قد تتحوّل فيلماً شرط تكييفها بالشكل المناسب والمبدع.المشهد هو المهم
تتناول الرواية الهجرة ما علاقتك بهذا الموضوع؟كان والدي أحد المهاجرين. ما كان يملك بلداً. ما كانت لي جذور، أسوة بأفراد عائلتي كلّهم. حتى أمي التي عاشت طفولة مستقرة، بمعنى أنها لم تهاجر أبداً، فعلت المستحيل كي تنسى ماضيها المجري، فلم تترك له أثراً في حياتها.أيشرح ذلك شغفك بالصور؟ تلك التي تجمّد الناس في قالب معيّن؟نعم طبعاً. كتبتُ ذات يوم الجملة التالية: {المشهد هو المهم}. في طفولتي كنت أشعر وكأنني مهاجرة ولكن من دون خلفية معينة. لم يكن ذلك عذاباً بل شعوراً بالاختلاف. كنت أرسي مرساتي باللغة الفرنسية. جعلت منها موطني. جدتي من أبي ما كانت تجيد القراءة أو الكتابة. الاعتراف بي ككاتبةٍ فرنسية بالنسبة إليّ هو هبة أقدّمها لعائلتي.تتناول الرواية كذلك الهجرة الداخلية أي الوحدة.نعم. أتفهم هذا الشعور تماماً. ولكن يصعب عليّ الانتماء إلى أي شيء كان. لا يبدو لي ذلك أمراً طبيعياً.ما الذي دفع {إليزابيث} في روايتك الى مساعدة {جان رينو} مع ما في الأمر من خطرٍ عليها؟أحب التشويق، وبرنامج {أدخلوا المتهم}. ثمة أمور لا نستطيع شرحها في تصرفات الناس. ولكن الصداقة شغف قوي للغاية. أحبّ كثيراً تناول موضوع الصداقة كسندٍ للحياة.ولكن {إليزابيث} تظهر أنها مستعدة لقلب الأمور في أي لحظة.نعم. مثيرة هذه الفكرة، كذلك فكرة تلاقي المسارات. نجدها في الكتابة كما في الحياة.مسألة العمر في الرواية كذلك مثيرة للاهتمام فإليزابيث في الستين من عمرها. هل تتناولين هنا اضطرابات العمر، تلك الأسرار التي ذكرتها سابقاً؟تقضّ مسألة العمر مضاجع الجميع. لا نستطيع السيطرة على الشيخوخة. إنه واقع مثير للقلق. تقول الراوية إليزابيث: {أحياناً أستيقظ لأجد العمر قابعاً أمامي}. الموت أمر مطلق. ولكن كلما تقدمنا بالعمر، شهدنا غياباً لبعض ذواتنا. الكتابة تمهيد ربما لهذا الغياب.ما رغباتك اليوم؟لم أنته من الكتابة. كانت الكتابة حول حملة نيكولا ساركوزي بسبب حدث. يسعدني أن يأخذني حدث آخر إلى مغامرةٍ أخرى.ما الذي تحبين أن يقال عنك؟لا أنظر إلى الأمور من منطلق شخصي. أحبّ أحياناً أن يتمّ الاطلاع على أعمالي بموضوعية من دون أية أفكار مسبقة. ولكن حالتي ليست منعزلة. فأنا نفسي أجد صعوبةً في النظر بموضوعية إلى بعض الأشخاص، لأننا أسرى صورتنا الاجتماعية.«أتعاطف مع شخصيات أعمالي كلها»لا تشعر ياسمينا رضا بأنها ضحية سوء فهم كما تقول، موضحةً أنها لا تدرج في الخانة الصائبة، وتذكر: {ثمة احتقار حين نتحدث عن السخرية. يخيل إلي أنني أتعاطف مع شخصياتي كلها، حتى تلك التي أسخر منها أو تلك الفاقدة لبريقٍ ما. ولكني لا أتذمر هنا. فذلك مدعاة للسخرية وقد أبدو كأنني ممن يرفضون التعليق على أعمالي}.وتؤكد أنها لا تؤمن بالخطابات المرافقة للأعمال عموماً، {أجدها مزيّفة غالباً، فلست متأكدة من امتلاك الروائي مفاتيح كل ما ينتجه}.