في روايتك «متحف النسيان» تحاول استلهام التاريخ، رغم أنها خالية تماماً من أي سرد تاريخي كيف ذلك؟

في البداية، لم يكن القصد أن أكتب رواية تتناول شخصيات تاريخية معروفة، وإنما كنت أرغب في كتابة تتناول التاريخ ذاته، وكيف أن الناس العاديين يؤثرون ويتأثرون بالحوادث الكبيرة، التي هي بالتالي مكونة من جزيئات صغيرة يُحدثها عموم البشر لتتجمع وتُشكل الحدث الكبير. هنا لا يوجد قائد أو ملهم أو مُوجّه، بل حدث مبني على الفعل ورد الفعل. تستطيع القول إن «متحف النسيان» رواية ترغب في اللعب مع التاريخ، وتميل إلى المراوغة، وعندما كنت أكتب، كنت أشعر بأني أتلصص على العالم.

Ad

ولكن من خلال ما قرأته في الرواية، لاحظت أنها مجرد هاجس سيطر على أحد الباحثين في مجال التاريخ، هل هذه الرؤية صحيحة؟

صحيحة إلى حد كبير، فالرواية لا تتضمن حدثاً تاريخياً واضحاً، ولا ترتيباً زمنياً للحوادث، فقط زمن حلزوني أشبه بشكل مجرتنا درب التبانة، لا تستطيع أن تقرر ما الذي حدث أولاً وما الذي يليه. والباحث الذي تتكلم عنه سيظل يبحث عن ضالته إلى الأبد من دون جدوى، لأنه يرغب في معرفة كل شيء عن كل شيء. وهنا تبدأ المراوغة، أمر يثبت ما حدث وآخر ينفيه، أنت لا تستطيع الهروب، لا تستطيع الخلاص، كذلك لا تستطيع ترك الكون، وليس من حقك نفي وجود الأشياء أو تأكيد وجودها، فقط دعنا نأمل أنني وأنت والعالم موجودون، فقط «اذهب إلى وهمك ولا تعد قبل أن تثبت لنفسك وللآخرين أنه حقيقة»، هذه هي الجملة التي صدّرت بها الرواية.

تحاول في الرواية البحث عن تاريخ الناس البسطاء، الذين تمضي حيواتهم وكأنها لم تكن، ما يجعلك تطلق على هذه الحياة اسم متحف النسيان؟

الناس البسطاء بالمفهوم الذي أعرفه هم حقيقة هذا العالم، والوقود الذي تتحرك به آلية الحوادث. أما الحيوات التي تمضي كأنها لم تكن فهي ذرات صغيرة في كون كبير، وهي التي تجعله دائم الحركة لا يهمد، وذلك كله يحدث بشكل غير محسوس. حتى أننا اخترعنا تقنيات للكشف عن العوالم بالغة الصغر (الميكروسكوب)، والعوالم بالغة الضخامة (التلسكوب)، ولكننا حتى الآن لم نخترع تلك التقنية التي تكشف عن العوالم بالغة التعقيد، الغارقة في الظاهر في الفوضى، ولكنها تحمل قوانينها. ثمة قانون كوني ينظمها، وهي تصنعه بما يوافق حركتها، لكننا لا نستطيع فك طلاسمه. أما اسم «متحف النسيان» ففيه تناقض واضح، فالمتحف نضع فيه الأشياء التي نرغب في تذكرها، فلماذا بنيناه هنا لأجل النسيان.

تعمدت في الرواية أن يتداخل الهاجس مع الحياة الحقيقية للباحث التاريخي، فأوقعت القارئ في مأزق: أين الحقيقي من المتخيل هنا؟

لم يكن ثمة أي تعمد لإيقاع القارئ في أي مأزق. القارئ هو من أخذ نفسه إلى هذا المأزق، وأراد تقمص دور الباحث، فيما لم أطلب منه ذلك، أو أدفعه ليكون هكذا. يرغب القارئ في معرفة الحقيقة، وأنا لا أملكها لأقدمها له. أرسلت إليّ إحدى القارئات واسمها «سارة» بعدما انتهت من قراءة الرواية هذه الرسالة: «من هي الفتاة ذات العينين الخضراوين والكتيب الأصفر؟»، وسألت إن كنت سأكتب جزءاً ثانياً للرواية؟ أرادت سارة الوصول إلى الحقيقة، وهذا حقها، كما يحق لها أن تسأل عن جزء ثان للعمل. أنا لم أطلب إليها أن تعطي فرصة للخيال، بل قدمت لها الذريعة لذلك.

تأويل... وجائزة

ألا ترى أن أسلوب السرد الروائي كان صعباً بالنسبة إلى القارئ غير المتمرّس، بمعنى أن العالم الذي يبحث عنه الباحث التاريخي، وهو في خياله فقط، وبين عالم الراوي نفسه، لم تكن ثمة مسافة معقولة بينهما لدرجة أنها جعلتهما عالماً واحداً تقريباً؟

لم يكن الأسلوب صعباً، وقرائي في غالبيتهم عاديون على ما أعتقد. كان تداخل العالمين في الرواية من وجهة نظري ضرورة فنية تفهمها القراء، لكنك على حق في أنه قد يسبب مشكلة أثناء القراءة، شعرت بها وأقلقتني، لكنني انحزت في النهاية إلى الضرورة الفنية التي فرضتها الرواية، معوّلاً بعد ذلك على ذكاء القارئ، الذي فاق كل توقعاتي. كنت دائماً أذكر نفسي بعبارة «كن واثقاً بالقارئ، هو أذكى مما تتخيل، وإن استطعت أن تشركه في الكتابة فأفعل».

هل أردت القول إننا إذا لم ننتبه إلى هؤلاء المسكوت عنهم على مرّ التاريخ، فنحن لا بد من أن نكون مثلهم في نهاية الأمر مسكوتاً عنهم؟

لسان حال الباحث التاريخي في الرواية كان يقول: «إن لم أستطع امتلاك الحقيقة عليّ أن أكون جزءاً منها»، ونحن أيضاً علينا أن نكون جزءاً من هذه الحقيقة، وألا ننفي وجود ما كان، كي لا يأتي أحد بعدنا وينكر وجودنا.

هل نستطيع القول مثلاً إن قرية «كوم أبو شيل» تكاد أن تمثّل المنطقة العربية بالكامل في شكل من أشكالها، وأننا قد يأتي الوقت الذي يتناسانا فيه التاريخ مثلها؟

ولدت في «كوم أبو شيل»، حيث رأيت العالم. يمثّل هذا المكان بالنسبة إلي الكون في بدايته، وهو عزيز ومقدس عندي، لأنه منحني الوجود، وقدّم لي جذوراً أعود إليها كلما انتابني التعب. لكنني لم أقصد أن تكون للأمر علاقة بأحوال المنطقة العربية، كذلك لا أنكر أنني تأثرت بهذه الأحوال.

في نهاية الرواية لا نجد فارقاً بين المتحف والمخطوط وتتماهى الحواجز بينهما ليصبحا عالماً واحداً. هل عمدت إلى صفع القارئ بهذه النهاية؟

الخط الذي أطلق عليه «المتحف» هو رحلة الباحث عن الحقيقة داخل متحف كوني كبير محفوظة فيه تذكارات تعبّر عن عالم كان موجوداً حقيقة في هذا الكون، والأزمة التي وقع فيها الباحث أن هذه التذكارات خرساء، وأن صمتها يخفي أكثر مما يبوح، فلجأ إلى معرفة الحقيقة من خلال مخطوط يسرد أحداثاً خيالية. وما كان أمامه ليصل إلى نتيجة إلا المزج بين الحقيقة والخيال، أو بين المتحف والمخطوط. ولكن هذه النهاية لم تكن متعمدة ولم أخطط لها أثناء كتابة الرواية، بل وجدت نفسي مدفوعاً نحوها دفعاً، من دون أية إرادة مني.

هل تمثل لك جائزة «ساويرس» أي مردود أدبي أو مادي بالنسبة إلى هذه الرواية؟

منحتني الجائزة مزيداً من الثقة في الكتابة، مثلها مثل الثورة التي منحتني الثقة في التاريخ.

المرحلة التاريخية الثالثة

تشكّل رواية «متحف النسيان» بداية للمرحلة الثالثة المختلفة لكتابة الرواية التاريخية، بعدما مرّ هذا النوع بمرحلتين سابقتين على يد كل من نجيب محفوظ في رواياته «عبث الأقدار» و{رادوبيس» و{كفاح طيبة»، وجمال الغيطاني في روايته «الزيني بركات».

تتناول الرواية تاريخ الناس العاديين وتتبع طريقة الاستقراء للكشف عن التاريخ المنسي للعالم بعد التخلي عن طريقة التنبؤ بالحوادث، تلك الطريقة التي كانت متبعة في قصته السابقة «أجواء سبتمبر القادم».

تخرّج محمود عبد الغني في كلية التربية قسم التاريخ، وربما كان هذا هو السبب في اهتمامه بالتاريخ في كتابته الإبداعية.