حرية الصحافة في بلادنا

Ad

يخطئ من يظن أن نظاماً من أنظمة الحكم في بلادنا يرفض النقد في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، بل حتى الأنظمة الدكتاتورية منها تعتبر النقد أمراً ضرورياً لإضفاء الشرعية على نظام الحكم فيها في مواجهة هجمة النظام العالمي على الأنظمة الدكتاتورية وما يفرضه عليها هذا النظام من مقاطعة في بعض الأحيان.

إلا أن أنظمة الحكم في بلادنا جميعاً تفرض خطوطاً حمراء تحد من حرية وسائل الإعلام، وتتفاوت هذه الخطوط ضيقاً واتساعاً، بقدر مساحة الحرية المتاحة لهذه الوسائل وللمواطن وللشفافية التي تتمتع بها أحياناً بعض هذه الأنظمة أو تتحلى بها أنظمة أخرى، غير أن هذه الحرية تجد حدها الطبيعي في ألا تمس رئيس الدولة فيما يقوله أو يفعله، يستوي في ذلك الأنظمة الجمهورية والأنظمة الملكية وما في حكمها، حيث إن هذه الأنظمة تستند في حماية الذات الملكية إلى نصوص في الدستور تجعل هذه الذات مصونة.

ولعله ليس بعيداً عن الذاكرة تلك الفتوى التي أصدرها الشيخ الجليل د. علي جمعة وقت أن كان مفتياً لمصر بجلد الصحافي الذي تحدث عن مرض الرئيس حسني مبارك، فقد أفتى بإقامة حد الجلد عليه، وهو ما أدى إلى صدور حكم قضائي بحبس هذا الصحافي، ثم صدر عفو عنه من الرئيس مبارك.

الخطوط الحمراء

وتلتزم الصحافة بالخطوط الحمراء، والتي قد تبدأ بداية متواضعة في الفترة الأولى التي يستهل بها كل حاكم حكمه، لتتفق مع الشعارات التي يعلنها في هذه البداية من إيمانه بالديمقراطية وسيادة القانون وبالشفافية وحرية الرأي وحق التعبير عنه, وأن الصحافة جزء لا يتجزأ من مؤسسات الدولة الدستورية وعليها أن تقوم بواجبها في النقد باعتباره من المسائل المشروعة في تقويم أي انحراف في أجهزة الحكم، وهي مسؤولة في ذلك أمام الشعب.

ولا يلبث الحاكم أن يضيق صدره بالانتقادات التي توجه إلى إدارة الحكم، وتبدأ الخطوط الحمراء تتراكم من خلال اتصالات مؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية بالتنبيه وإبداء النصيحة وانتقاد بعض المقالات أو ما ينشر من أخبار وأحاديث صحافية.

ويبدأ العد التنازلي للحرية والعد التصاعدي للخطوط الحمراء، وهي قيود ذاتية تقيد بها الصحافة نفسها، وقد تزيد على ما يتوقعه الحاكم، فتصبح الصحافة – كما يقول المثل المأثور – ملكية أكثر من الملك، طمعاً في ذهب المعز أو خوفاً من سيفه.

د. أحمد السيد النجار

وفي ظلال هذه الخطوط الحمراء، فقدت صحيفة الأهرام المصرية كاتباً كبيراً فذاً ومحللاً رائعاً للأحداث السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، ومنظراً في فلسفة الحكم والنظام الاقتصادي، هو د. أحمد السيد النجار، ولم يكن فقد الصحيفة له - أطال الله في عمره - أنه لقي ربه راضياً مرضياً بما قدمه لأمته من علم واستنارة ومعرفة وبما بسطه لقاء الأهرام من هذا كله، فهو لا يزال يتبوأ منصبه الرفيع رئيساً لمجلس إدارة الاهرام، ولكنه تعدى الخطوط الحمراء فيما يكتبه.

د. أحمد كمال أبوالمجد

وأذكر في هذا السياق أيضاً أستاذي الكبير د. أحمد كمال أبوالمجد، أطال الله في عمره، في لقاء جمعني به مصادفة في عهد الرئيس مبارك، فأنا حريص على وقته الثمين والضيق في آن واحد لأمثالنا الذين امتد بهم العمر طويلاً ولا يجدون وقتاً للسمر أو التسامر أو الدردشة، بل يسابقون الزمن للاعتراف بفضل الله ونعمته علينا في أن يكون ختامنا عملاً دؤوباً وجهداً متواصلاً وإبداعاً وصدقاً فيما نبديه من آراء وتحليل لقضايا الساعة التي تهم الرأي العام.

وكنت وغيري من النخبة المثقفة ننحني لعلمه الغزير وكلماته الرقيقة البديعة التي يعبر بها حتى عن غضبه، سألته في هذا اللقاء: لماذا حرمتني وحرمت قراءك من علمك الغزير؟ فأجابني: لقد أرسلت مقالاً إلى صحيفة الأهرام التي اعتدتُ نشر مقالاتي بها في موضوع عام (لا أذكره الآن) فلم ينشر، ولم تكلف الصحيفة نفسها بالاعتذار عن عدم النشر.

وهي طبعاً الخطوط الحمراء التي تضعها الصحيفة لسياستها في النشر، وطمعاً في ذهب المعز أو خوفاً من سيفه.

وكان د. أحمد كمال أبوالمجد، أطال الله في عمره، تعرض لحملة شرسة من بعض الكتاب، وعلى رأسهم رئيس تحرير إحدى المجلات القومية، لأنه تعدى الخطوط الحمراء في النقد.

تحريف الكلم عن مواضعه

وقد يكون مقبولاً امتناع الصحيفة عن نشر المقال، فهو حق مشروع لها خوفاً من سيف المعز، إلا أنه من غير المقبول، أن تجتزئ الصحيفة من المقال جزءاً تقوم بنشره دون موافقة الكاتب، بعد أن انتزعته من سياقه، ليبدو النقد هشاً ضعيفاً لا يتناسب وعورات الموضوع محل المقال, وهو نقد مطلوب لإضفاء الشرعية على الموضوع محل النقد لتحريره لدى الرأي العام، ولي تجربة شخصية مع صحيفة الأهرام سأرويها فيما يلي:

أرسلت مقالاً مطولاً إلى صحيفة الأهرام حول التعديل الدستوري الأول سيئ السمعة – في عهد الرئيس مبارك – الذي تم الاستفتاء عليه في الخامس والعشرين من مايو سنة 2005، والذي طبلت و"زمّرت" له صحافة نظام الحكم باعتباره إصلاحاً سياسياً يسمح بالتعددية في الانتخابات الرئاسية وتداول السلطة، وكان مقالي يتصدى لهذا التعديل من جميع جوانبه الدستورية والقانونية والعوار الذي يشوبه باعتباره يتمحض ردة عن المؤسسات الدستورية ووصاية على الإرادة الشعبية، وردة عن الرقابة المشروعة وعن رقابة دستورية القوانين بالحد منها لصالح رقابة مسبقة على مشروع قانون الانتخابات الرئاسية الذي سيصدر تطبيقاً للتعديل الدستوري، وردة عن الإشراف القضائي على الانتخابات، ويمثل عدواناً على ولاية القضاء، ونكوصاُ عن الواجهة الحضارية لتعديل أي دستور وإخلالاً بالضمانات المقررة للتعديل، فضلاً عن الانحراف عن أصول صناعة التشريع.

واتصل بي الصديق العزيز د. عمرو هاشم ربيع ليخبرني باعتذار "الأهرام" عن نشر المقال، فأرسلت المقال إلى صحيفة الوفد التي قامت بنشره كاملاً في عددها الصادر 2005/5/22.

إلا أنني فوجئت بنشره في صحيفة الأهرام في عددها الصادر في اليوم التالي تحت عنوان تعديل الدستور.. "ملاحظات في الشكل"، بدلاً من عنوان المقال الأصلي "تعديل دستوري... أم ردة دستورية؟"، فقد اجتزأت صحيفة الأهرام الجزء الأخير منه، حيث كان نص الدستور المقترح في هذا التعديل تزيد كلماته على 1500 كلمة، وهو عيب في الصياغة، ولذلك لم يأت عفواً بل كان مقصوداً به تحصين الأحكام التفصيلية الكثيرة الواردة في النص، من الطعن عليها بعدم الدستورية، إذ وردت في قانون يصدر تنفيذاً لأحكام هذا التعديل، وبذلك أصبح مقالي مقتصراً على هذا العيب خدمة للتعديل ذاته، وهو النقد المطلوب والمرحب به من نظام الحكم لأنه لا عيب فيه إلا طول النص الدستوري.

لا خطوط حمراء في الغرب

أما في الغرب فلا توجد خطوط حمراء يقف عندها نقد الحاكم أو نظام الحكم، فحرية الرأي وحق التعبير عنه وحق النقد، وأيا كان الهدف من النقد، ولو كان النقد لذاته، هي حقوق مشروعة في أنظمة الحكم هناك، فهي مفتوحة إلى السماء.

حتى الحياة الخاصة للإنسان بوجه عام، وللأشخاص العامة بوجه خاص، لم تعد في مأمن من أن تخترقها عدسات صاحبة الجلالة وأن تلوكها الألسنة والأقلام في الصحف والقنوات التلفزيونية، وقد كافأت صحيفة مصورها الذي استطاع أن يتلصص ليلتقط صورة لجاكلين كيندي وهي تأخذ حمامها عارية، ناهيك عن ازدراء الأديان وازدراء الرسل والأنبياء والتي تجد مجالاً خصباً في الكاريكاتير وفي القصص والروايات.

حتى أنني صادفت كتابين صدر أخيراً لمستشرق عاش في مصر سنوات طويلة هو جلبرت سينويه، أولهما بعنوان "صمت الآلهة" والثاني بعنوان "اللوح الأزرق"، وقد ترجما إلى اللغة العربية في بيروت، وأصبحا في متناول أيدينا يتداولهما أبناؤنا، والرواية الأولى قصة نسجها خيال الكاتب حول "الآلهة التي تقتل كل يوم"، وتدور الرواية حول البحث عن قاتلها، ومثل هذه الكتب قد تشكل عقول بعض الشباب، وقد تدفع بعضهم إلى التطرف الديني أو الانحراف والانحلال، فلا توجد هناك لدى الصحف الجادة أو الصفراء خطوط حمراء.

الحرية المسؤولة

ولست مع الانفلات الإعلامي غير المسؤول، ولكنني مع حرية الرأي وحق التعبير عنه، تعبيراً صادقاً وأميناً، ومع صحافة مقدرة لمسؤوليتها في الالتزام بالقيم الأخلاقية والدينية وفي تجنيب التجريح والتشهير والعدوان على الحق في الخصوصية أو على حق المتهم في محاكمة عادلة منصفة، مع صحافة تقدر مسؤولياتها في كشف الحقائق التي تهم الرأي العام، لا تتجنى في ذلك أو تشهر أو تخدع أو تضلل، بل تعبر في كل ذلك عن خفقان قلب الشارع والرأي العام.

ذلك أنه إذا كان الخطأ وارداً، فالنقد لازم لتؤدي الصحافة رسالتها في نقد ما تراه مستوجباً للنقد، لا لمجرد الإثارة أو تحقيق أغراض خاصة أو جني أرباح طائلة من وراء ما تكتبه.