عندما كنا مراهقين كثيراً ما قرأنا عبارة: "الحب عذاب والعشق سم قاتل"، وكثيراً ما سحبنا عند قراءتها نفَساً عميقاً وأخرجناه مع آهة أو تنهيدة دلالة على اتفاقنا التام مع مضمونها والتأكيد على صحتها، ولطالما كتب بعضنا تلك العبارة على أوراق دفاتره المدرسية أو الجدران، مردوفة برسمة لقلب يخترقه سهم، ذلك القول المأثور أثّر باعتقادي على صياغة فهم معوج للحب لدينا، أصبحنا على قناعة تامة به، لدرجة الإيمان بأن الحب هو الشقاء، وأن لا حب بدون عذاب يمتهن إنسانيتنا، حتى إن بعضنا اعتقد أنه لابد أن يتعذب حتى يطمئن بأنه واقع بالحب، أو أن يُعذب من يحب حتى يتأكد من حبه له!

لا شك أن تراثنا الأدبي المتعلق بالحب يصب جلّه في هذا السياق وهذه الرؤية المؤذية للحب وتفسيره، مما ساهم في ترسيخ هذا الفهم السلبي له، متجاهلين تماما ما يفعله الحب فعلا في إعادة تأهيلنا إنسانياً عن طريق إعادة تشكيل مشاعرنا وصفاتنا من الجذور، فرب قوي جبار وجد نفسه ضعيفاً أمام ما يمليه عليه الحب، وعنيد وجد نفسه مطواعاً مقاداً بأمر الحب، وقاسي قلب أصبح رقيقاً حنوناً بفعل الحب، وجبان تحوّل إلى شجاع لا يهاب المخاطر يدفعه الحب لارتكاب مغامرات ضد توجسّه وخوفه، ولا شك أن في إعادة التأهيل هذه ومحاولة التأقلم معها أو تقبّلها صعوبة ترتقي لدرجة العذاب للذين لا يريدون مخالفة ما اعتادوا من صفات في ذواتهم لأزمتهم طوال سنوات أعمارهم السابقة والتي يرون أنها تحفظ أمانهم الذاتي، وأن استبدال تلك الصفات بأخرى مضادة لها يعد انهيارا تاما لذلك الأمان في اعتقادهم، وهناك من يعتقد أن الحب يسلبهم إرادتهم وسلطتهم على خياراتهم، بينما يقوم هو بممارستها نيابة عنهم، وهذه الخاصية في الحب تخيفهم وترعبهم ويعتبرونه عذاباً لا يطاق.

Ad

هناك أسباب كثيرة ناتجة عن الوهم أو عدم الفهم جعلت الكثير منا يكتب باللون الفوسفوري على الحب عبارة مسجل خطر، يتوجب الحذر من الاقتراب منه أو مرافقته في طريق مجهول، بينما تلك الأسباب فعلياً هي أجمل ما في الحب، فالصفات المكتسبة بفعل الحب والتي قد يعتبرها البعض سلبية هي إعادة تربية لإنسانيتنا، فعلى سبيل المثال إحساسنا بالضعف عند وقوعنا في الحب ناتج عن رغبتنا الصادقة في التشبث بمن نحب وخوفنا من فقدانه، وهذا يعلمنا معنى الولاء والوفاء والإخلاص لآخر غيرنا، إن ضعفنا في الحب بمثابة "إعلان براءة" من أنانيتنا، ومن جهة أخرى فإنه اختبار حقيقي لمن نحب، من خلال طريقة تعاطيه مع ضعفنا تجاه محبته، فإما أن يمارس إنسانيته السامية من خلال تعامله الرحيم مع ضعفنا واعتباره مصدر قوة لحبنا له ودليل صدق لمشاعرنا، أو أن يمارس إنسانيته البشعة ويستغلنا ويبتز مشاعرنا معتبراً ذلك الضعف ثغرة يمرر من خلالها أنانيته، وقس على هذا المثال بقية الصفات التي يعتبرها البعض سلبية ويخشاها عند الوقوع في الحب، وهي خشية ناتجة عن سطحية في فهم الحب والوعي به.

الحب نعمة، وهو بذلك كأي نعمة أخرى، إذا لم نحسن استغلالها والتعامل معها تتحول قطعاً إلى عذاب وجحيم.