تبدأ المشاكل الغذائية لدى الشابات عموماً عند رؤية صور العارضات (تخضع للتعديلات في معظم الأحيان) والأجسام المثالية ونماذج النحافة الجسدية، فتقارن الفتاة نفسها بنساء نحيلات جداً. لكن لا تكون العقدة دوماً ردة فعل موضوعية على عيب يزعجنا. غالباً ما يحمل الناس عقداً تجاه عيوب وهمية وقد تكون جزءاً من اضطرابهم الروحي والنفسي، فيجدون صعوبة في العيش وسط المجتمع والاندماج فيه أو التواصل مع الآخرين. لذا يطورون العقد التي تُستعمل لتبرير صعوبة الاندماج.

المراهقة... بيئة حاضنة للعقد

Ad

المراهقة بيئة خصبة لتطوير العقد، لا سيما الجسدية منها. في هذا العمر، نبحث عن ذاتنا ونحتاج إلى من يطمئننا إلى وضعنا مقارنةً بالآخرين. يمكن أن نقارن نفسنا بالأب أو الأم أو النجوم أو العارضات أو أي شخص آخر ويصعب علينا أن نبني هويتنا الخاصة.

بغض النظر عن العمر، يكون الجسم بمثابة صورة وقناع في آن أو أشبه بواجهة تحمينا من جهة وتعرّضنا لنظرات المحيطين بنا من جهة أخرى. لكن نادراً ما تتوافق النظرة التي نحملها عن محيطنا مع رأي الآخرين بنا.

حين تصاب الشابة بفقدان الشهية في مرحلة المراهقة مثلاً، قد تعتبر نفسها سمينة جداً في المراحل اللاحقة من حياتها. رغم الحميات الغذائية الصارمة التي تسمح لها بارتداء مقاسات صغيرة، لا تكف عن اعتبار نفسها بدينة وسرعان ما تتفاقم العقد التي تحملها في داخلها. نتيجةً لذلك، يسهل أن تكره نفسها وتنفر من شكلها وتعجز عن إقامة علاقات عاطفية سليمة مع الرجال مع أن الآخرين قد يعتبرونها جميلة وجذابة. تعود هذه المعاناة المرتبطة بالشكل الخارجي إلى مشاكل عميقة على مستوى تقبّل الذات وتقدير القيمة الشخصية.

نشوء الاضطرابات الغذائية

يبالغ بعض المراهقات في التركيز على وزنهن وقد يعاني بعضهن في نهاية المطاف اضطرابات حادة على مستوى السلوك الغذائي. لا تكون الشابة في هذه الحالة متصالحة مع جسمها وتظن أن المشكلة تتعلق ببعض الكيلوغرامات الزائدة التي يمكن أن تكون حقيقية أو وهمية، فتقرر الالتزام بحمية صارمة ثم تنحف كثيراً ولا تستطيع التوقف! قد يقودها هذا الوضع إلى فقدان الشهية أو تنهار لأنها تشعر بالحرمان طوال الوقت. نتيجةً لذلك، تميل إلى تناول أي نوع من المأكولات بلا توقف ثم تتقيأ الطعام أو تأخذ ملينات الأمعاء لتفريغ جسمها وتجنب البدانة. لكنها تتقيأ في الخفاء فتبدأ حلقة مفرغة قد تدوم طوال حياتها!

أكثر الأسباب شيوعاً

حتى لو كانت السلوكيات المرتبطة بالاضطرابات الغذائية متشابهة، تتنوع أسباب تطور تلك المشاكل وقد تختلف عن العوامل التي تُرسّخ المرض. بالنسبة إلى المرضى، يكون فقدان الشهية والشره المرضي ردة فعل على وضع محدد قد يرتبط بخلل في الصورة التي يحملونها عن نفسهم أو بصدمة معينة، أو قد يكون سلوكهم طريقة لطلب المساعدة أو التعبير عن غياب التواصل مع المقربين منهم.

يترسّخ المرضان عموماً خلال المرحلة الانتقالية من المراهقة إلى سن الرشد وتظهر المشكلة في عمر الخامسة عشرة تقريباً لكنها قد تبدأ أيضاً منذ الثامنة! قد تتطلب سنوات عدة قبل أن تترسّخ أو يمكن أن تتطور سريعاً. يعترف بعض النساء باستمرار الخلل الغذائي طوال حياتهن رغم الخضوع للعلاجات. أو يمكن أن تنجح المرأة في تجاوز الاضطراب ولكنه يتجدد بعد عمر الخمسين بسبب ظروف صعبة مثل الطلاق أو حتى انقطاع الطمث.

تشخيص الحالة

يرتكز تشخيص فقدان الشهية على معايير عيادية دقيقة ترتبط بطريقة الأكل ومستوى تقدير الذات وبعض الممارسات (تقيؤ، أخذ ملينات الأمعاء...) والوزن والنظرة إلى الذات وغياب الدورة الشهرية منذ ثلاثة أشهر على الأقل. قد يكون تباطؤ نمو المراهِقة عاملاً مؤثراً أيضاً. وقد تعطي أعراض أخرى آثاراً بارزة مثل الهوس الغذائي وفرط النشاط والإجهاد الفكري...

خطر الموت حقيقي!

ترتبط مضاعفات فقدان الشهية مباشرةً بسوء التغذية أو سلوكيات أخرى ذات صلة (لا سيما التقيؤ). في مراحل المرض الحادة، قد تصيب حادثة قلبية ووعائية (تراجع إيقاع القلب واضطرابه، انخفاض الضغط) حتى 87 % من المريضات ويكون توقف الدورة الشهرية شائعاً في هذه الحالات، لكن يبقى احتمال الحمل قائماً. يؤدي فقدان الشهية أيضاً إلى مشاكل في الدم والكلى، واضطرابات عصبية وأيضية على مستوى الكولسترول والغلوكوز، وهشاشة العظام، واستنزاف الأسنان، وتساقط الشعر، والإمساك... لكن يمكن عكس هذه الأعراض بعد اكتساب الوزن.

من الناحية النفسية، يؤدي فقدان الشهية إلى تصلب المواقف وإضعاف العلاقات والعواطف والحياة الجنسية تزامناً مع تباطؤ الأداء المدرسي أو المهني، ما يؤدي إلى حالات اكتئاب حادة وحتى الانتحار أحياناً.

معاناة صامتة

تزداد الحالة صعوبة لأن الضحايا يخفون مشكلتهم عن أصدقائهم وعائلتهم. يسهل أن يتصفح المراهقون شبكة الإنترنت ويجرّبوا مقاربات مسيئة وعشوائية لتحقيق النحافة بأي ثمن. يشير فقدان الشهية والشره المرضي إلى تشوّه الصورة التي يحملها الفرد عن جسمه واقتناعه باستعادة السيطرة على الوضع عبر فقدان الوزن. من خلال الاكتفاء بسعرات قليلة في اليوم وممارسة نشاطات جسدية قهرية، تصل المرأة إلى نحافة خطيرة ومع ذلك تعتبر نفسها سمينة. أما الفتاة المصابة بالشره المرضي، فتتناول كميات مفرطة من الطعام للتعويض عن النقص الذي تشعر به ثم تتقيأ للحفاظ على وزن طبيعي. لذا يكون تشخيص الشره المرضي أصعب من رصد فقدان الشهية. لكن في الحالتين، لا بد من استشارة الطبيب لأن الأشخاص الذين لا يتلقون العلاج المناسب يصبحون في خطر. يمكن معالجة هذا النوع من الاضطرابات لحسن الحظ عبر العلاج النفسي والعلاجات السلوكية و/أو جلسات التنويم المغناطيسي.

حين يتكلّم جسمنا
الجسم أشبه بكتاب يمكن تفسير رموزه عبر الإشارات التي يبثها. يستطيع كل من يصغي إليه أن يتعرف إليه عن كثب ويكتشف الصراعات المكبوتة في داخله ويكيّف تصرفاته اليومية بناءً على اكتشافاته. قد تنجم المشاكل التي نواجهها عن تشنجات الجسم المرتبطة بإجهاد لم نتحكّم به. يستعمل الجسم لغة دقيقة وصادقة ويقدم لنا المعلومات التي نحتاج إليها. لكن إذا كان جسمنا يتكلم، يجب أن نسمعه! تشير حالات فقدان الشهية والشره المرضي إلى وجود اضطرابات عميقة تريد التعبير عن نفسها. لذا يجب ألا نعتبر هذه الأمراض النفسية والعقلية عشوائية بل رسالة من أعماقنا. ماذا لو سمحت لنا باكتشاف {مرض خلاق} وراء المعاناة وأقنعتنا بأن وقت التغيير حان؟!