من المعروف أنّ الناس قد لا يتقبّلون مشتقات الحليب لأنهم لا يتحمّلون الغلوكوز أو يعانون من حساسية تجاه هذه المنتجات. لكن يشرب الناس اليوم الحليب الذي يباع في متاجر البقالة وتشتق معظم المنتجات من الحيوانات التي تنشأ في مكان محصور وتأكل الصويا والذرة وربما القش إذا كانت محظوظة. ثم يخضع الحليب للبسترة والاستحلاب أو يمر بمراحل أخرى تشمل نزع الدهون وإعادة إدراجها. لكن حين تنشأ الأبقار بالشكل المناسب في المراعي، لا يخضع الحليب الذي تنتجه لمعالجة مكثفة بل يقدّم في هذه الحالة بعض المنافع الصحية المفاجئة.

في الماضي، لم يكن أحد يشرب حليباً كامل الدسم لأنه يحتوي على الدهون المشبعة المخيفة! كنا نظن أن الدهون الموجودة في الحليب تمهّد للإصابة بمجموعة من المشاكل الصحية المريعة مثل البدانة. لذا كنا نشرب نسخة قليلة الدسم من الحليب. لم يكن مذاقه ممتازاً لكننا كنا نتقبّله. حتى الحليب كامل الدسم يخضع للمعالجة وتصبح نسبة الدهون فيه 5% مع أنّ الحليب الطبيعي يحتوي على 8%.

لكن رغم الالتزام بهذا المبدأ، تشير بيانات متزايدة اليوم إلى أن الحليب قليل الدسم لا يعطي المنافع المتوقعة منه، لا سيما الحفاظ على النحافة والصحة الجيدة. راقبت دراسة واسعة أجرتها كلية الصحة العامة في جامعة هارفارد وزن 13 ألف ولد بين عمر التاسعة والرابعة عشرة ومستوى استهلاكهم للحليب. كانت النتائج مفاجئة: على عكس الفرضية الشائعة في هذا المجال، ارتبط استهلاك الحليب قليل الدسم باكتساب الوزن لكن لم ترتبط دهون مشتقات الحليب في المقابل بظاهرة البدانة.

Ad

كيف يمكن تفسير هذه النتيجة؟ تكبح الدهون الشهية عبر إطلاق هرمون الكوليسيستوكينين الذي يعزز شعور الشبع. وفي معظم الحالات، يكون الشبع مرادفاً لتخفيف الأكل. كذلك تبطئ الدهون إطلاق السكر في مجرى الدم، ما يعني تراجع كمية الدهون المخزّنة في الجسم. تشمل منتجات الكريما والزبدة نوعاً من الدهون الصحية التي تُسمّى أحماض اللينولينيك المترافقة. ترتفع نسبة هذه الأحماض في حليب الأبقار التي تنشأ في المراعي وتساهم في تقليص مخاطر البدانة والسكري والسرطان ومرض التهاب الأمعاء.

تعطي منتجات الحليب كاملة الدسم والزبدة والكريما منافع أخرى أيضاً كونها تعجّ بالمغذيات وترتفع فيها نسبة الفيتامينات A وD وE وK التي تذوّب الدهون، فضلاً عن احتوائها كميات صغيرة من المعادن مثل المنغنيز والكروم والزنك والنحاس والسيلينيوم وحتى اليود. وتساهم الشحميات السفنغولية السكرية الموجودة في الزبدة والكريما في حماية الجهاز الهضمي من الالتهابات أيضاً.

قصة الكوليسترول الحقيقية

رغم منافع دهون الحليب، قد نظن أن تناول تلك الدهون المشبعة سيرفع مستويات الكوليسترول! في أواخر الثمانينات، كنا نعرف أنّ مجموع الكوليسترول لا يتوقع مخاطر الإصابة بأمراض القلب بدقة. سرعان ما أُلقي اللوم على الكوليسترول السيئ، لكن أثبتت دراسات عدة أن هذا الكوليسترول أيضاً لا يُعتبر مؤشراً موثوقاً به لتقييم المخاطر. تشير أحدث المعطيات العلمية إلى أن الدهون المشبعة لها أثر مفيد على فروع الكوليسترول السيئ التي تنذر بأمراض القلب. تكون الدهون المشبعة الغذاء الوحيد الذي يزيد مستوى الكوليسترول الجيد. باختصار، تعرّضت الدهون المشبعة للهجوم بناءً على معلومات علمية بالية. تطوّر العلم منذ ذلك الحين لكن بقيت هذه الفكرة شائعة بسبب انحياز الخبراء ونفوذ قطاع تصنيع أدوية الستاتين.

قد يصعب تصديق هذه المعلومة لكن تشير دراسات علمية عدة إلى أنّ تراجع معدل الكوليسترول، وليس ارتفاعه، يرتبط بخلل معرفي وقد يزيد خطر الوفاة. في المقابل، يرتبط ارتفاع معدّل الكوليسترول بإطالة الحياة.

هل تنعكس البسترة سلباً على صحتنا؟
شكّلت عملية البسترة إنجازاً كبيراً في مجال الصحة العامة خلال القرن العشرين. بدأت هذه العملية كلها حين انتقلت الأبقار إلى المدن وعاشت في ظروف مريعة. أنتجت الأبقار المريضة حليباً ملوثاً أدى إلى وفاة عدد من الأطفال والأولاد. بلغت وفيات الأطفال الرضع مستويات قياسية عند شيوع مشتقات الحليب المقطّرة.

عمد رجال نافذون إلى تصنيع تلك المنتجات المربِحة لذا اضطر العاملون في مجال الصحة العامة لمتابعة إنتاج هذا الحليب الشائب من الناحية الغذائية لكنهم شددوا على أهمية عملية البسترة التي تقضي بتسخين الحليب للقضاء على جميع أنواع الجراثيم. لم يظن أحد أن بعض الجراثيم كانت مفيدة بل اعتُبرت كلها سيئة وكان التعقيم الحل الوحيد للقضاء عليها. لذا زاد شيوع البسترة التي تتخلص من الجراثيم الضارة ومختلف الجراثيم المفيدة الموجودة في الحليب. هكذا انعكست هذه العملية سلباً على صحة الناس.