في 17 أغسطس الجاري، خرجت إلى العالم صورة الطفل السوري "عمران"، من حلب، لتضيف إلى مآسي الطفولة مآساة جديدة، تهز الضمائر، وتعري ضعف المجتمع العالمي، وانتهازية عدد من الأطراف الإقليمية والدولية.

الصورة التي نشرها مركز حلب الإعلامي، وتناقلتها وسائل الإعلام في مختلف أرجاء العالم، تظهر الطفل ذا السنوات الخمس خارجاً للتو من ردم القصف، تغطيه الدماء والأتربة، لكنه لا يصرخ ولا يبكي، ولا يفارقه الذهول والصمت.

Ad

تنضم صورة "عمران" إلى صورة مواطنه الطفل "إيلان"، ذي الأعوام الثلاثة، الذي روع العالم مشهده ميتاً منكفئاً على شاطئ البحر، في سبتمبر الفائت، إثر غرقه أثناء محاولة أسرته الهجرة غير المشروعة عبر السواحل التركية إلى أوروبا.

تذكرنا صورتا "عمران" و"إيلان" بعدد من الصور التي التُقطت لأطفال، أثناء أحداث خطيرة، وحفرت ذكراها، وتركت أثرها في الضمير الإنساني والتاريخ السياسي في آن.

فمن ينسى صورة محمد الدرة، الطفل الفلسطيني، الذي لقي حتفه أثناء الانتفاضة الفلسطينية، في سبتمبر من عام 2000، وهو المشهد الذي خلدته عدسة وكالة الأنباء الفرنسية في صورة كانت لها مفاعيل حيوية وخطيرة.

ومن ينسى صورة الطفلة الفيتنامية "كيم فوغ"، التي ظهرت فيها عارية، محروقة بقنابل "النابالم"، إثر القصف الأميركي لفيتنام، في عام 1972، فكانت سبباً في إنهاء الحرب في بلادها؟

يظل مشهد قتل الأطفال أو الاعتداء عليهم، أو هلاكهم، في خضم نزاع مسلح علامة فارقة في التعاطي الإعلامي والمخيلة الإنسانية، وقد يكون تأثير مشهد واحد من ضمن تلك المشاهد أكبر أثراً وأشد نفاذاً من عشرات المشاهد الأخرى.

يظل الأطفال أضعف حلقة من حلقات النزاعات المسلحة حول العالم، ولذلك فإن تسليط أضواء الإعلام عليهم خلال تلك النزاعات، يسهم في إحداث تحولات نوعية في الرأي العام العالمي، وبالتالي يعيد ترتيب أوراق القوى المتنازعة ويغير حظوظها.

لا تقتصر الأثمان التي يدفعها الأطفال في النزاعات المسلحة على التعرض المباشر لآلات القتل والتشريد والتعذيب والاغتصاب، لكنهم أيضاً يستخدمون كدروع بشرية أو برامج تسويق ودعاية وعلاقات عامة لأفكار بعض الجماعات المتنازعة، وأخيراً فهم أيضاً يعانون كجمهور يتلقى بعض أكثر الأخبار والمشاهد دموية.

فالأطفال يعانون أيضاً من الاطلاع على أخبار استخدام العنف ضد أطفال آخرين ومشاهدها، وتصيب المشاهدة المتكررة لأعمال القتل والقصف ضد المدنيين الكثير من الأطفال بأمراض ومشكلات؛ مثل الخوف والكوابيس والقلق والوساوس والحرمان من النمو النفسي السليم، فضلاً عن الإغراء باستخدام العنف وتعريض أنفسهم وآخرين إلى الخطر.

بعض الباحثين يتحدث عن حالة من اللامبالاة يمكن أن تصيب هؤلاء الأطفال، وربما فسر البعض حالة الصمت التي كان عليها الطفل "عمران" بكثرة رؤيته لمشاهد الموت والدمار وحياته تحت القصف المستمر.

يثور عدد من الأسئلة بخصوص الحدود المهنية والأخلاقية لتصوير الأطفال ونشر صورهم في تلك الأوضاع المأساوية، التي تتزايد خصوصاً خلال النزاعات المسلحة، والضوابط التي تحكم تصوير مثل تلك المشاهد ونقلها، وإلى أي حد يتصادم عرض مشاهد الأطفال الذين يتعرضون لانتهاكات مع الذوق السليم، وحقوقهم الشخصية، ومواقف آبائهم أو الأوصياء عليهم من السماح بعرض تلك المشاهد، وأخيراً انعكاساتها على المشاهدين أو المتلقين؟

ثمة عدد من القواعد الأخلاقية والمعايير المهنية التي يجب الحرص على التزامها عند التصدي لتغطية أنباء وأحداث تتعلق بالأطفال ضحايا النزاعات المسلحة، وقد استقيت تلك المعايير من عدد من المصادر؛ مثل أدلة الإرشادات التحريرية في وسائل الإعلام الكبرى، والقانون الدولي الإنساني، واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وبروتوكولها الإضافي؛ ومن تلك المعايير والقواعد ما يلي:

- عدم الإفراط في عرض مشاهد الأطفال الذين يتعرضون للقتل والإصابة والانتهاكات أثناء تغطية النزاعات المسلحة، إلا إذا كان عرض تلك المشاهد ضرورة من ضرورات المصلحة العامة، أو ركناً أساسياً من أركان الإحاطة بالحقائق، أو وسيلة رئيسة لإنصاف أحد أطراف التغطية. وفي كل الأحوال لا يُحض على تكرار عرض تلك المشاهد خارج سياقها الإخباري، أو ضمن "البروموهات" الترويجية، إلا إذا تم ذلك في سياق متوازن، وبهدف ينزع نحو المقاربة المحايدة.

- عدم "فبركة" المشاهد والصور، وضرورة الإشارة إلى تاريخ وقوع الحدث الذي تشير إليه المشاهد والصور في حال استخدامها كمواد أرشيفية، على أن تتوافر اعتبارات موضوعية للاستخدام الأرشيفي لمثل تلك المشاهد.

- يجب ألا تنطوي المشاهد التي تعرض أطفالاً من ضحايا النزاعات المسلحة على ما يخدش الحياء العام والكرامة الإنسانية، ويعرض خصوصية هؤلاء الأطفال وذويهم للانتهاك، وحتى في حال وافق الأوصياء على ظهور جثث أو أشلاء أو أبدان أطفالهم المعرضين للاعتداء بشكل قد يخدش الشعور العام والكرامة الإنسانية، فإن الوسيلة الإعلامية مدعوة إلى موازنة الاعتبارات الأخلاقية مع اعتبار المصلحة العامة وخدمة الحقيقة التي قد تظهر من خلال العرض الكامل للصور والمشاهد.

- مع الإقرار بأن صورة طفل في السابعة يقود تظاهرة، أو يحمل سلاحاً نارياً ويمتطي آلية عسكرية، هي صورة أخاذة من الناحية المهنية، فإن الإعلاميين مدعوون إلى موازنة الاعتبارات الأخلاقية مع تلك المهنية، بحيث لا تتحول مثل تلك الصور عبر تكرار بثها والتركيز عليها إلى وسيلة لتحريض أطفال آخرين على الانخراط في النزاع، أو الترويج لموقف سياسي معين، أو التغطية على أحد أطراف النزاع.

- يجب احترام رفض الأطفال الظهور أو الاشتراك في أي من التغطيات التي تجري على هامش النزاعات، حتى لو كان ظهورهم ضرورياً لإنجاز التغطية.

- أخيراً فإن عدداً قليلاً جداً من الاعتبارات الموضوعية يمكن أن يبرر إظهار لحظة موت طفل على شاشة أو صفحة جريدة، ولذلك فإن الإعلامي ووسيلة الإعلام يجب أن يتأكدا من أن ثمة اعتبارات مهنية مقنعة تبرر ظهور مثل تلك اللحظة.

إن صور "كيم فوغ" أو "محمد الدرة" أو "إيلان" أو "عمران" مؤثرة وفاعلة أكثر مما تفعل المدافع، فليس هناك أفضل من هؤلاء ومآسيهم، لكشف بشاعة الحروب وفضح عرابيها.

* كاتب مصري