في الثالث والعشرين من هذا الشهر، مرّت الذكرى السادسة عشرة لرحيل المغفور له الأستاذ سامي المنيس الذي أنفق حياته متفانياً في خدمة الكويت، وغدا رمزاً من رموز تاريخها السياسي المعاصر، وحفرت إيقاعات إسهاماته السياسية والبرلمانية والإعلامية والإنسانية والتنظيمية محلياً وعربياً وعالمياً معالمَ لن يمحوها الزمن، وأصداءً ستبقى عالقةً في الذاكرة الوطنية الكويتية، ملؤها التبجيل والتقدير والاعتزاز من الأجيال الكويتية المتعاقبة لتلك القامة الوطنية الرفيعة التي لم يتمكن أحد من ملء فراغ غيابها حتى اليوم، وهو فراغ فرضته إرادة الخالق التي لا رادّ لها، في وقت كانت الكويت ولا تزال بحاجة ماسة إلى ذلك الفارس وأمثاله من الرجال النوادر بكل ما تَمثّل به من صلابة في الموقف وصفاء في السريرة ونقاء في الأداء السياسي ونظافة في اليد قَلّ مثيلها، فأَسّس بتلك الصفات لمدرسة متفردة في العمل السياسي والبرلماني والتنظيمي والإنساني والصحافي، قامت أساساتها على نبل الاختلاف وأدب الخطاب والثبات على الحق.

لمع اسم المرحوم سامي أحمد المنيس في سماء العمل السياسي الكويتي بعد نجاحه في أول انتخابات تشريعية (1963)، وهو ابن الواحد والثلاثين عاماً، وكانت زوّادته ملأى بسلاح العلم والثقافة وغزارة تجارب الحياة.

Ad

كان الراحل الكبير صنيعةَ نفسه، وخميرةَ ظروف نشأته القاسية التي شكّلت منه الأنموذج المشرق الذي كرّس حياته كلها متفانياً في خدمة وطنه وشعبه، ومتمسكاً بمبادئه وقيمه الأخلاقية والوطنية الأصيلة، ففي عام 1937 توفي والده، وتربّى سامي الطفل ذو الأعوام الخمسة يتيماً في أسرة عريقة امتزج تاريخها بتكوين المجتمع الكويتي الأصيل، وخاضوا غمار البحر والتجارة والمهن والوظائف العامة، وأبى سامي منذ نعومة أظفاره إلا أن يكون كادحاً يعمل على توفير العيش الكريم لنفسه ولأسرته، فحين بلغ الرابعة عشرة عام 1946 التحق بشركة نفط الكويت كعامل آبار وحقول نفطية، في ظروف تلك الأيام القاسية، التي شكّلت وعيه بتبني قضايا العمال والكادحين عموماً، وقضايا عمال النفط خصوصا، وجعلته لصيقاً بنبض الناس وهمومهم.

تقلّب المرحوم (أبو أحمد) في وظائف وأعمال عديدة، ساعياً نحو طلب العيش بعرق جبينه، ولم يعرف التعالي أو الاستكانة، ولم يعانِ من مُركّبات النقص أو الخوف من المجهول، فكان الطهر والنقاء والإقدام صفاتٍ بارزةً لازمت سلوكه طوال حياته وحتى وفاته، وترك وراءه سيرة رصينة عطرة كم كنّا نتمنى أن يتأسى بها الكثيرون من حديثي العمل بالشأنين السياسي والعام.

المرحوم سامي المنيس ورفاق دربه د. أحمد الخطيب والمرحوم جاسم القطامي والأستاذ عبدالله النيباري والأستاذ أحمد النفيسي والمرحوم د. أحمد الربعي وغيرهم من أقطاب ورواد العمل الوطني النقي تجسدت في أداءاتهم حقبٌ مهمة من تاريخ الكويت المعاصر دستورياً وديمقراطياً ونيابياً، وتمثلت فيهم صلابة الدفاع عن المكتسبات الشعبية والديمقراطية وما بشّرت بها مرحلة دولة الدستور والقانون من مبادئ الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص.

رحم الله ذلك الرجل السامي الذي أحدث غيابه فراغاً كبيراً بحجم عطائه السخي في حياته، فمع كل ظلام يكتنف ساحاتنا السياسية نفتقد "بَدْرَ" سامي المنيس المكتمل وأمثاله من بدور الكويت.