يؤكد بحث جديد أجرته أخيراً جامعة واشنطن في سانت لويس حول علم الانتقام ان هذا العالم شديد التعقيد، موضحاً أن علاقة الحب-الكره التي تربطنا بهذه الرغبة المظلمة ليست صافية، بل تولد في داخلنا كتلة من المشاعر المتضاربة الإيجابية والسلبية، وذلك لأسباب لا نتوقعها على الأرجح.

تذكر فايد إيده، الباحثة الأولى في هذه الدراسة وهي طالبة تعد رسالة دكتوراه عن علوم الدماغ والنفس في قسم الفنون والعلوم في جامعة واشنطن: «أظهرنا أن الناس يعربون عن مشاعر إيجابية وسلبية تجاه الانتقام. نتيجة لذلك، لا يكون الانتقام حلواً أو مراً، إنما الاثنين معاً. نحب الانتقام لأننا نعاقب الطرف المسيء ونكرهه لأنه يذكّرنا بالسبب الرئيس وراء الانتقام».

Ad

تقدّم هذه الدراسة، التي ستنشر في مجلة Experimental Social Psychology، فهماً أكثر دقة لأوجه الانتقام الإيجابية والسلبية. أجريت هذه الدراسة بالتعاون مع زملاء من مختبر «السلوك والإدراك الاجتماعي» في الجامعة، وأشرف عليها إلى جانب إيده مدير المختبر البروفسور المساعد ألن لامبرت وطالبة الدراسات العليا ستيفاني بيك.

تستند خلاصتها إلى ثلاث تجارب, طُلب في كل منها من 200 شخص ملء استنابة على شبكة الإنترنت تقيّم حدة ما ينتابهم من مشاعر وتقلبات في المزاج, جراء قراءتهم مقالات إخبارية قصيرة , يصف أحدها مقتل أسامة بن لادن على يد القوات الأميركية كرد على اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.

صُممت هذه التجارب لتحديد ما إذا كان الناس محقين في اعتقادهم أن الانتقام يشعرهم بالراحة، رغم الأبحاث الأخيرة التي تشير إلى العكس.

توضح إيده: «تساءلنا عما إذا كانت الفكرة التي يكوّنها الناس عن الانتقام أكثر دقة مما توقعناه في البداية. فلمَ يسود الاعتقاد أن الانتقام يُشعر الإنسان بالرضا والراحة؟ وإن كان الانتقام يجعلنا نشعر بالسوء، فلمَ رأينا هذا العدد الكبير من الناس يهللون في شوارع العاصمة واشنطن ونيويورك بعد إعلان مقتل أسامة بن لادن؟».

في التجربة الأولى، قرأ المشاركون خبراً عن «إحقاق العدالة» بمقتل أسامة بن لادن أو مقطعاً لا دخل له بالسياسة عن الألعاب الأولمبية شكّل وسيلة ضبط. ثم قيّموا مدى قوة مشاعرهم باختيار ما يلائمها من لائحة تضم 25 صفة، مثل سعيد، متوتر، راضٍ، مستاء، غاضب، منزعج، أو حزين.

صحيح أن هذا الإطار شبيه بما اعتُمد في دراسة أجراها لامبرت عن الانتقام عام 2014، إلا أن الباحثين عدّلوا مرحلة تحليل البيانات بغية التركيز على قوة المشاعر، مقارنةً بالمزاج. فقد ركّزت دراسة لامبرت وأخرى تناولت الانتقام وترأسها الراحل كيفن كارلسميث عام 2008 في جامعة كولغايت على المزاج، ولم تتوصلا كلتاهما إلى أي دليل على أن الانتقام يحسّنه. على العكس، شعر الناس بالسوء بعد الانتقام.

مصطلحان

تذكر إيده: «في حالة مقتل أسامة بن لادن، ترتبط هذه الشخصية بعمل مريع جداً: اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر. وقد يكون هذا سبباً يوضح لمَ يُعتبر الانتقام مصدراً غير مباشر للمشاعر السلبية. فقد أظهر بحثنا الأخير أن طريقة تقييم الإنسان مشاعره بالغة الأهمية».

يستعمل علماء النفس أحياناً مصطلحَي المشاعر والمزاج كمرادفين. ولكن ثمة أوجه اختلاف مهمة بينهما، كما تكشف الأدلة في هذه الدراسة. فترتبط المشاعر عادةً بمسببٍ واضح ومحدد وقد تكون قوية إنما عابرة في معظم الأحيان. في المقابل، قد يتشكّل المزاج تدريجاً، يدوم فترة طويلة، ويكون عموماً منخفض الحدية.

في هذه الدراسة، لجأت إيده وزملاؤها إلى أدوات لغوية معقدة، فضلاً عن المصطلحات التي تُستعمل عادةً لوصف المزاج، بهدف تمييز أوجه الاختلاف بين المشاعر التي حددها المشاركون بعد قراءتهم مقطعاً عن الانتقام. فجأت نتيجة هذا التحليل مطابقة لاكتشافاتٍ سابقة أكدت أن الانتقام يزيد مزاج الإنسان سوءاً. لكن هذا التحليل كشف أيضاً أن التجربة ذاتها قد تولّد أيضاً مشاعر إيجابية.

تقول إيده: «أظهر بحثنا بدقة أن تداعيات الانتقام العاطفية قد تكون مختلطة، أي أننا قد نشعر بالفرح والسوء في آن واحد عندما ننتقم من الطرف الآخر. وهكذا خالفت هذه الخلاصة ما توصلت إليها أبحاث الانتقام السابقة، سواء تلك التي أجراها مختبرنا أو مختبرات أخرى، والتي أكدت أن الانتقام تجربة سلبية برمتها».

أراد الباحثون إثبات هذه الاكتشافات بشكل حاسم. فكرروا التجربة، مستخدمين مقاطع قراءة مختلفة بغية تفادي أي صيغة أو محتوى يجعل القارئ أكثر عرضة لشعور أو مزاج محدد. على سبيل المثال، لم يشأ الباحثون تحفيز المشاعر الوطنية، فاستبدلوا الخبر عن الألعاب الأولمبية بوصف عام عن حساسية الطعام. كذلك عدلوا الخبر عن أسامة بن لادن وحذفوا منه الكلمات التي تصنّف بوضوح عملية القتل كرد على اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.

رغم كل هذه التغييرات، لم تتبدّل اكتشافاتهم عموماً.

توضح إيده: «نعتقد أن الناس قد يختبرون مشاعر إيجابية تجاه الانتقام لأنه يسمح لهم بتصحيح خطأ ارتُكب والاقتصاص من إنسان سيئ. فقد اكتشفنا في دراستنا أن الأميركيين عبّروا عن رضا كبير حيال مقتل بن لادن ربما لأننا أنهينا حياة إنسان كان العقل المدبر وراء منظمة إرهابية».