إن كنت تجهل، قبل مشاهدة فيلم «صمت الراعي»، أن العراقي رعد مشتّت هو في الأصل شاعر قبل أن يكون مخرجاً، لأيقنت أنه كذلك بعد لحظات من مشاهدة الفيلم.

يهيأ الفيلم لناظره أنه مغزول من مشاعر رقيقة، وإن كانت معذبة، وأحاسيس مرهفة، وإن بدت مجروحة. فالمخرج الذي درس السينما في لندن، بعدما نال بكالوريوس الأدب الإنكليزي من جامعة بغداد، وأنجز مجموعة من الأفلام، من بينها الروائي القصير: «شهرزاد»، «مشهد للحب وآخر للموت»، «تنويمة الجندي»، والوثائقي: «على الأرض»، «الساعة الخامسة والعشرون»، «خمسة وجوه»، «انتحار دولة الرئيس» و«موت معلن»، هو نفسه صاحب الدواوين الثلاثة: «الجنود»، «السجين السياسي» و«قصيدة تشبه اليوم».

Ad

«صمت الراعي» عن معاناة الشعب العراقي، تحديداً قرية العيون جنوب العراق، تحت حكم «صدام»، حيث الخوف الذي حوّل «راعي غنم» إلى «شيطان أخرس» امتنع عن الإدلاء بشهادته في جريمة قتل جماعي ارتكبها زبانية النظام ضد جماعة من الأكراد، وراحت ضحيتها ابنة شيخ القبيلة، التي شاء حظها العاثر أن تشاهد الجريمة المروعة، فما كان من القائد العسكري المسؤول عن دفن أبناء القومية الكردية في مقبرة جماعية، بعد إطلاق الرصاص عليهم، سوى أن أمر بملاحقتها والقبض عليها، ودفنها في المقبرة نفسها!

تدور أحداث الفيلم سنة 1987، أي قبل عام من انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية، بما في هذا من إيحاء بأنها الفترة التي وصل فيها «صدام»، ونظامه إلى مرحلة من الغطرسة والغرور والعنجهية، واللامبالاة بالحقوق والحريات والأقليات، فيما استبد الخوف بالشعب العراقي، وارتضى الصمت، والعار، بديلاً عن السجن والتعذيب والموت.

الفتاة «زهرة» (شيماء خليل) ابنة شيخ القرية «حميد الصكر» (محمود أبو العباس) اعتادت مغادرة المنزل كل يوم لتجلب الماء من النهر، لكنها ذهبت ولم تعد. وبعد فشل البحث عنها، وعدم التوصل إلى السر وراء اختفائها، كان الحل الذي ارتاح له أهل القبيلة أنها هربت مع عشيقها، حيث تزامن الاختفاء مع ذهاب الشاب «سعود» (مرتضى حبيب) إلى دائرة التجنيد للتأجيل، ورفضوا طلبه. وبدلاً من أن ينطق راعي الغنم «صابر» (سمر قحطان) بالحقيقة، التي رأها بأم عينيه، خاف على نفسه، والتزم الصمت زهاء خمسة عشر عاماً. وعقب سقوط نظام «صدام» على أيدي القوات الأميركية، غادر صمته، وتمرّد على شيطانه، وكاشف شيخ القرية بالسر الدفين، فبرأ الفتاة، وطهر الشيخ من العار الذي طاوله، نتيجة للطعن في شرف ابنته!

لا تكمن جرأة المخرج رعد مشتّت، وفيلمه، في فضح وإدانة الدكتاتور «صدام»، ونظامه القمعي فحسب، بل في إقدامه على تعرية «الشعب»، الذي كان حريصاً على عدم المساس بشرف وتقاليد وأعراف القبيلة بأكثر من حرصه على الحيلولة دون الاعتداء على شرف وكرامة وحرية «الوطن»، فيما ترك مشهد إنزال الأهالي من الحافلات، واقتيادهم أحياء إلى المقبرة الجماعية، وإطلاق الرصاص عليهم، شعوراً مخيفاً حيال العنف والوحشية والدموية التي كانت سائدة في تلك الآونة، على عكس المشاهد مفرطة الرقة والحساسية والجمال، التي مهّد بها المخرج للأحداث، واستثمر فيها البيئة الرائعة (تصوير زياد تركي) من طبيعة خلابة، وصحراء مترامية الأطراف، وخضرة ووجوه حسنة، وإن علاها الفقر والبؤس، ليصنع قطعة فنية جميلة زادتها موسيقى دريد فاضل شجناً وعذوبة، وفيلماً واقعياً صادقاً، وبسيطاً، لا مكان فيه لافتعال أو خطابة أو تلفيق أو ترهل في الإيقاع (مونتاج محمود مشتت)، ما جعله فيلماً عالمياً غير مرتبط بمكان بعينه أو حدود وطن دون سواه!

«صمت الراعي» فيلم رصين عن القهر والإخفاء القسري والإبادة الجماعية، التي تعرّضت لها طوائف الشعب العراقي، والخوف الذي ألجم الألسنة، وكان سبباً في العجز الذي أصاب أفراده (ألمح المخرج إلى هذا بمشهد صريح عجز «الراعي» فيه عن ممارسة الجنس مع زوجته). ونجح المخرج في قيادة فريقه السينمائي، والوصول معه إلى صنع فيلم إنساني تجاوز قسوة الواقع، ورائحة الموت، بفضل الأداء المتميز لطاقم الممثلين: محمود أبو العبّاس، الذي جسد شخصية شيخ القرية الذي شعر بالإهانة فما كان منه سوى أن خلع عقاله واعتزل مجلس الكبار حتى يقتص من الشاب الذي دنّس شرف عائلته وشوّه سمعة ابنته، ومست إنعام عبد المجيد مؤدية باقتدار دور أم «زهرة» شغاف القلوب بلوعتها على ابنتها وخروجها مع النسوة للبحث عنها، بينما بدت نهار سدايو، التي جسدت دور زوجة الراعي، وكأنها تجتر، شكلاً ومضموناً، ماضي أسوأ ممثلات الإغراء في السينما المصرية، إلا إذا تعمد «مشتّت» ذلك للترويح عن جمهور الفيلم!

«صمت الراعي» يطرق السياسة من باب إنساني واجتماعي، إذ ينتقد التقاليد البالية، والسلطة الغاشمة، ويبدو منحازاً، بقوة، إلى المرأة التي تتحمّل الظلم واتهامها في شرفها من دون سبب، إلا عجز الرجال عن تقبل دورها الشجاع الذي يجرح كرامتهم، وهو في النهاية فيلم عن طاغية مستبد... وشعب خانع!