"طوق الحمامة"... رسالة في الحب للفقيه ابن حزم، ويبدأ رسالته في الحب، فيقول: إن أوله هزل وآخره جد، لا يوصف، ولابد من معاناته، والدين لا ينكره والشريعة لا تمنعه، إذ القلوب بيد الله عز وجل وقد أحب من الخلفاء والأئمة.

والمحبة أنواع، وأفضلها محبة المتحابين في الله، عز وجل، ومحبة القرابة، ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة المتصاحبين بسر يجتمعان عليه ويلزمهما ستره، ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا دواء لها إلا اتصال النفوس المقسومة.

Ad

كل هذه الأنواع تتغير بتغير أسبابها إلا محبة العشق الصحيح، وهي التي لا فناء لها لا بالموت.

ولابن حزم رسالة غير "طوق الحمامة"، وهي "تهذيب الأخلاق"، ويرد فيها الحب في جميع صوره إلى سبب نفسي واحد. ويقول ابن حزم في بقاء الحب وزواله: "وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها، فمن ودَّك لأمر ثم ولَّى مع انقضائه وفي ذلك أقول...": (طوق الحمامة ص 19). قول الشاعر:

ودادي لك الباقي على حسب كونه

تناهى فلم ينقص بشيء ولم يزد

وليست له غير الإرادة علة

ولا سبب حاشاه يعلمه أحد

وأورد قصة لأبي بكر محمد بن أحمد بن إسحاق ليوسف بن هارون الشاعر، أنه رأى جارية عند باب العطارين بقرطبة أخذت بمجامع قلبه، وتخلل حبها جمبع أعضائه، ولم يعرف غير اسمها (خلوة)، ولم يعرف عنها شيئا ولم يرها بعد ذلك، فقال:

عيني حنّتْ في فؤادي لوعة الفكر

فأرسل الدمع مقتصاً من الصبر

وبعد أن يورد أمثلة في الحب الذي يتأتى من نظرة عجلى، يقول: "لا يظن ظان ولا يتوهم متوهم أن كل هذا مخالف لقولي المسطر في صدر الرسالة: ان الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمه العلوي، بل هو مولد له، فقد علمنا أن النفس في هذا العالم الأدنى قد غمرتها الحُجب، ولحقتها الأغراض، وأحاطت بها الطبائع الأرضية الكونية، فسرت كثيرا من صفاتها، وإن كانت لا تحله، أما ما يقع من أول وهلة ببعض أعراض الاستحسان الجسدي، واستطراف البصر الذي لا يجاوز الألوان، فهذا سر الشهوة ومعناها على الحقيقة، فإذا فضلت الشهوة وتجاوزت هذا الحد، ووافق اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس، تسمى عشقا، ومن هنا دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين".

هكذا منذ ألف عام تناول ابن حزم أسرار الحب والعشق، واخضع دراسته إلى علم النفس وحالة الإنسان النفسية، وأثبت أن الحب العابر وما يقال إنه من أول نظرة، ما هو إلا هوى عابر، وكذلك من يدّعي أنه أحب حبين، فذلك هوى طارئ، ولا حب إلا لواحد فقط.

لقد اهتم المفكرون الأوروبيون بكتاب "طوق الحمامة" وعدّوه سابقة للفكر الإنساني قد استفاد منه الفكر الأوروبي. كتاب "طوق الحمامة" طُبع سنة 1914 للدكتور بتروف، الأستاذ بجامعة بطرسبرغ، وطُبع للمرة الثانية في مكتبة عرفة بدمشق سنة 1349 هــ / 1931 م، وطُبع في المكتبة التجارية في القاهرة سنة 1959 تحقيق الأستاذ محمد كامل الصيرفي، ومقدمة للأستاذ إبراهيم الإبياري، ثم تتابعت الطبعات في الشرق والغرب، هذا هو كتاب طوق الحمامة للفقيه ابن حزم، والكتاب رسالة في الحب وفي فلسفة الحب.