حياة البشر توثقها أمور عديدة؛ الكتابة والتصوير والمعالم التي يتركونها خلفهم وكذلك الروايات الشفهية، في دول الخليج أصبح التاريخ المحلي أمرا ملحوظا، فانتشرت المدونات والمواقع وحسابات "الإنستغرام" و"تويتر" في السنوات الخمس الأخيرة، بعضها هاوٍ فهو يخلط بين علم الأنساب وعلم التاريخ وهواية جمع الطوابع والصور، والبقية مدرك لأهمية التاريخ يعرف كيف يسبر أغواره، لكنه يتوقف عندما يشعر بأنه سيتجاوز القيود الاجتماعية والسياسية فيتوقف عن نشر الحقيقة ويحتفظ بوثائقه لنفسه ولخاصته.

أما الجانب الحكومي في دول الخليج فهناك اختلاف في درجات الدخول للأرشيف وما المسموح والممنوع، وكلها تشترك في محظور واحد، وهو أن ليس من حقك أن تأخذ من الأرشيف ما تنتقد به بعض السياسات أو تصحح معلومات تاريخية غير مرغوب في تصحيحها، على الرغم من انتشار العديد من مراكز البحوث الخليجية لعل أشهرها دارة الملك عبدالعزيز، ومكتبة الديوان الأميري الكويتي، ودارة الشيخ سلطان القاسمي والأرشيف الوطني في أبوظبي وغيرها الكثير.

Ad

الوثائق اليوم صارت السبيل الوحيد للرجوع إلى الزمن الماضي، ونعني هنا بالوثائق أي كل ما كتب أو تم تصويره أو حتى رسمه، فغالب من عاشوا تلك الفترات هم في ذمة الله اليوم، ولا يمكننا الاعتماد عليهم في نقل الوقائع التاريخية أو تحليلها، ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الباحثون في الكويت لحفظ التاريخ الشفوي، وعلى رأسهم المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان حفظه الله، فإنها كانت جهودا فردية لم تُبن على أسس أكاديمية علمية، وبكل أسف أقول إن جهود العم سيف في حفظ تراثنا الأدبي ضاعت كما ضاع الكثير من أرشيفنا الحكومي في وزارة الإعلام إما بسبب الغزو أو الإهمال!

منذ أن بدأت دراسة الدكتوراه في جامعة إكستر ولدي نظرة سوداوية عن مراكز البحوث والدراسات في الكويت، وهذا بسبب تجربتي السابقة معها قبل أن أخوض في الدراسة الأكاديمية، فكثير من المراكز تضع أشخاصاً غير مناسبين على مقاعد الاستقبال، هؤلاء الأشخاص يسببون بعلم أو بدون علم ضررا ثقافيا كبيرا لسمعة المراكز التي يعملون فيها من خلال عدم استقبالهم الباحثين بشكل لائق أو عدم درايتهم الكافية بما تحتويه هذه المراكز، لكن للأمانة العلمية يجب الإشادة بمركز البحوث والدراسات الكويتية خصوصا تفاعل الدكتور عبدالله الغنيم والأستاذ عبدالعزيز الخطيب، وكذلك أمين مكتبة المركز الأستاذ عبدالرحيم الطاهر، فقد بذلوا جهدهم لمساعدتي وسهلوا لي الكثير من العقبات، والشكر موصول في الوقت ذاته للعم عبدالعزيز البابطين والأستاذة سعاد العتيقي على تسهيلهما الأمر لي في تصوير ما أحتاج من أرشيفهما الكبير، فلهما الشكر والامتنان، كما أن المكتبة الوطنية والأستاذ نصار بولبقة ورابطة الأدباء وأمينها العام طلال الرميضي سهلوا لي المهمة وتعاونوا بشكل إيجابي فللجميع الشكر.

الإشكالية الكبرى التي يواجهها الباحثون في تاريخنا المحلي هي وجود العديد من الوثائق والكتب التي نفدت طبعاتها لدى بعض جامعي الأنتيك والتحف الذين يغالون في أثمانها بشكل مبالغ به جدا، فأحيانا تجد وثيقة ليس لها قيمة تاريخية بأسعار تتجاوز المئة دينار، وكتاب آخر متوافر لكن لكونه طبعة أولى يكون سعره فوق الألف دينار، وقد استفسرت من المهتمين بالمخطوطات والوثائق حول هذه الأسعار، فقال بعضهم إنها مبالغات لكن في السوق من يدفع! ما يؤلمني كباحث هو احتكار المعلومة لديهم وعدم السماح حتى بتصوير هذه الكتب أو الوثائق التي لا يمتلكها سواهم، وكما لم أعمم في في قضية مراكز البحوث في نظرتي السوداوية، فلن أعمم هنا وسأشكر أصحاب الأراشيف الخاصة والكتب النادرة الذين زودوني بما تحتاجه دراستي بكل نبل وابتسامة، منهم الباحث العم عدنان الرومي والأستاذ فهد العبدالجليل والأستاذ يحيى الكندري والأستاذ أحمد العدواني والأستاذ محمد عبدالعزيز العتيبي والأستاذ إبراهيم الجامع، وأعتذر ممن سقط اسمه سهواً من أكرمني بما عنده من كتب نادرة ووثائق.

تبقى أن أناشد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن يسعى جاهدا ويسير على خطى دارة الملك عبدالعزيز أو الأرشيف الوطني في أبوظبي، ويجمع هذا الأرشيف الوطني المميز، أو على الأقل يدعم مركز البحوث والدراسات الكويتية، حيث إنهم يبذلون جهدا كبيرا في محاولة الحفاظ على تراثنا المحلي، كما أدعو الباحثين والأسر الكويتية التي تمتلك وثائق أن يساهموا في تصويرها وإيداعها لدى مركز البحوث، فهو الجهة التي يقصدها الباحثون، وكذلك لديه آلية واضحة في التعامل معهم.

شوارد:

"أمة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها"

لا أعرف قائلها!