في كل عام عندما يدخل شهر يونيو ويغادرنا وتشغلنا مشاغل الدنيا عن تذكر يوم وفاة الأديب الفقيه علي الطنطاوي، رحمه الله، أشعر بأن عليّ واجب رثاء الشيخ الجليل الأديب الفقيه علي الطنطاوي الذي انتقل إلى جوار ربه في 17/ 6/ 1999، وفي كل سنة لا أكتب شيئا، ولعلي هذا العام قررت أن أصل متأخرا خير من ألا أصل نهائياً، هذا الشيخ الجليل لم أشاهده في حياتي إلا عبر سطوره وفي شاشات التلفاز، وبرنامجه الذائع الصيت على مائدة الإفطار، لكنه، رحمه الله، قدم لي خدمة العمر دون أن يشعر!

قبل أن أقرأ لعلي الطنطاوي كنت أشعر أن القراءة شيء من الكماليات لا ضرورة له، ولذلك أقرأ إذا رغبت فقط! أقرأ للتسلية وإضاعة الوقت حتى أهداني صديق كتاب "صور وخواطر"، وهو أشهر كتبه، رحمه الله، أخذت الهدية غير مقتنع بالعنوان أو اسم المؤلف، وركنت الكتاب لسنوات! حتى شاء الله أن أفتحه، وكم ندمت أنني لم أدخل مدرسة أدب الطنطاوي من قبل.

Ad

أسلوب الشيخ السلس وأفكاره العميقة أجبراني على الذهاب بعد العمل لمكتبة الجامعة للقراءة، كنت أبحث عن الهدوء التام لأندمج في سطور الكتاب وكلمات مؤلفه، صدقوني إنني كنت أشعر بأنه يحاكيني، ومن حينها وأنا لا أنفك عن قراءةِ جميع ما كتب حتى انتهيت منها في شهر ما عدا الذكريات، فالطنطاوي مدرسة جديدة في الأدب بالنسبة إلي، فغالب ما في كتبه على شكل مقالات، لكنها في حقيقة الأمر دروس جميلة، حياته والظروف التي مر بها صقلت موهبته وعمّقت تفكيره وزادت سعة أفقه، وهذا ليس كلامي إنما كلامه رحمه الله.

علمني الشيخ الطنطاوي أن القراءة ضرورة من ضرورات الحياة؛ ولذلك من أراد أن يكون متميزا في محيطه فعليه أن يقرأ ولا يتوقع البروز اللحظي؛ لأن القراءة تصقل الشخصية على مهل كالصائغ الذي ينقش بالذهب القلائد.

وتعلمت من الأديب الأريب أن الحياة ليست سوى جسرٍ للخلود، فلا تُضيّعها في ما لا ينفع إنما استمتع بها دون إخلال بحقوق الله وحقوق العباد، فالدنيا أوسع من موقف تضايقت منه أو فشلٍ وقعت فيه أو حتى لحظة فرحٍ عشتها، الدنيا ماضٍ يستفاد منه وحاضرٌ يستمتع به ومستقبلٌ يُخطط له.

الطنطاوي أرسل لي رسالة جميلة عن الأعراب، حينما قرأت مقالتيه "أعرابي في الحمام" و"أعرابي في السينما"، هذه الرسالة تقول إن الأعراب على سجيتهم النقية، ولذلك أصبحت على سجيتي، بل كلما دخلت مكاناً يتكلّف أهله ضحكت على تعقيداتهم، وحمدت الله أن جعلني أعرابياً أتصرف على سجيتي!

الطنطاوي كان ولا يزال وسيظل معلمي الأول الذي أرشدني إلى حب القراءة، ودفعني دفعاً لتحدي نفسي، خصوصا عندما علِمت مقدار ما كان يقرأ في اليوم رحمه الله، هو من علمني أن قراءة جميع الفنون أمر مهم لمن يريد أن يصبح مثقفاً، وهو من أخبرتني رحلاته بأن للسفر والغربة دروساً لا تُدرس في مدارس الأوطان، وهذا الأريب أخبرتني سطوره بأن الخلود الأدبي يتأتى بإخلاص النية لله، والكتابة دون قيود اجتماعية.

علمني الشيخ علي أن القراء هم أساس كل كاتب، وأنهم هم سوق كلماته، لكن لا تجعل قلمك رهينة عندهم ولا تكتب ليصفقوا لك، إنما اكتب لينتقدوك فتستفيد أو يدعوا لك فتُوفق.

وقبل أن أختم ليتك عزيزي القارئ تطلع على ذكرياته، رحمه الله، وتقرأ ما كتب عن أمه، ولعلي أتحداك ألا تذرف عيناك الدمع! رحمك الله يا سيدي وغفر لك، وجعل الله كلماتك في موازين حسناتك، وأنت من قلت "ونحن مع القدر بشر لا آلهة ولا حجر، والدنيا ليست مسرّة كلها ولا مصائب، ولكنها مسرّة وكدر".

شوارد:

"لماذا لا نرى السعادة إلا إذا ابتعدت عنا، لا نبصرها إلاغارقة في ظلام الماضي أو متشحة بضباب المستقبل".علي الطنطاوي