سلسلة ممتعة وثرية بالمعلومات تلك الحلقات التي يتناول بها الدكتور الفاضل غانم النجار سيرة الشيخ عبدالله السالم والتي أطلق عليها "زمن عبدالله السالم... الاستقلال"، ومن الواضح جدا إعجاب الدكتور النجار وتتبعه بشخص الأمير الراحل ورصده لتفاصيل دقيقة جدا من مسيرته السياسية المتعلقة بفترة الاستقلال، وكم أتمنى أن يتوسع الدكتور مستقبلا بنشر ما لم يكشفه من معلومات محتفظ بها، والتي ستثري الباحثين بمعرفة تاريخ وطنهم من زاوية تمتزج بها جدية البحث الأكاديمي بشغف الكتابة الصحافية. ولدي ملاحظة أود المشاركة بها فيما ذكره الدكتور غانم النجار في سياق مقالته رقم 9 بعنوان "زمن عبدالله السالم- لماذا بكى الشيخ؟" في سياق النص: "ولذا يروي الشيخ سعد العبدالله، رحمه الله، عن أبيه أنه دخل عليه ووجده يبكي لأنه اضطر لدعوة العسكر الإنكليز، وهو أمر لم يفعله أحد قبله"!! فهل فعلا يعتبر الشيخ عبدالله السالم أول من دعا العسكر الإنكليز في تاريخ الكويت، ولم يفعلها أحد قبله من الحكام؟ باعتقادي ما ورد من قول فيه التباس يتعارض مع ما حدث على الواقع. حيث تروي الأحداث التاريخية التي مرت على الكويت والمدعمة بالوثائق والمراسلات بأن ثلاثة من حكام الكويت قد سبقوا الشيخ عبدالله السالم بدعوتهم للإنكليز للتدخل بالدفاع عن الكويت في ظروف سياسية وزمنية مختلفة: الأول هو الشيخ مبارك الصباح في منتصف عام 1901م عندما استدعى الإنكليز لحماية الكويت بعد معركة الصريف من القوات التركية في تحضيرهم لمخطط هجوم من البحر، بالتحالف مع قوات عبدالعزيز آل رشيد من البر، مما أدى إلى وصول عدة سفن بحرية؛ الأولى السفينة "بيرسرس" بقيادة القبطان "بيرس" الذي منع السفينة التركية "زحاف" من دخول جون الكويت وقام بتفتيشها، وكذلك قدمت السفينة "بومون" والسفينة "سفنكس" للمياه الكويتية. وأما الحاكم الثاني الشيخ سالم مبارك الصباح في أكتوبر عام 1921م فقدم طلباً لتدخل القوات الإنكليزية بعدما انهزم "الاخوان" عن قصر الجهراء، وتجمعوا مرة أخرى في منطقة الصبيحية مما شكل وجودهم خطرا على الكويت من معاودة شن الهجوم، حيث وصلت سفينتان حربيتان مع إسناد جوي بالطائرات تحذر من أن شن حرب على الكويت يعتبر عملا معاديا للإنكليز، وقد ذكرها الشيخ عبدالعزيز الرشيد "فاضطر سالم إذ ذاك إلى الاستنجاد بالحكومة الإنكليزية، وطلب معونتها وقد أجابته ولم تتأخر فأرسلت إلى مياه الكويت المدفعيتين (لورنس) و(اسبيكل) وطيارتين من العراق... إلخ". وأما الحاكم الثالث فهو الشيخ أحمد الجابر في فبراير عام 1928م بعد موقعة الرقعي، فوصلت ثلاث سفن إنكليزية حربية (أميرلاد، ولوبين، وكروكس) تحمل جنودا، ومدرعات وطائرات من سلاح الجو الملكي لتقيم معسكرا لها في الكويت، أجرت خلالها تدريبات عسكرية مع القوة الكويتية، وبعد ثلاثة أشهر تقريبا تراجع الاخوان عن الهجوم على الكويت لتنسدل الستارة على آخر حرب خاضتها الكويت قبل الاستقلال. يمكن القول إن الشيخ عبدالله السالم الذي عاصر كل الظروف العصيبة التي مرت بالكويت لم يكن هو أول حاكم يستدعي القوة العسكرية الإنكليزية بموجب اتفاقية الحماية التي أبرمت في عام 1899م، وإنما هو آخر حاكم، وقد طلبها كما طلب من سبقه من الحكام ولم يضطر بتاتا، وهو يدرك جيدا تبعات قراراته بما يتصف به من حكمة وبعد نظر وشجاعة في سبيل حماية الكويت وشعبها، ومن ثم رواية البكاء- إذا حدثت- فلا تتواءم مع شخصية الشيخ عبدالله السالم، رحمه الله، وقد يكون لها حيثيات أخرى لا نعلمها، ولكن بكل تأكيد ليست لها صلة بطلب الإنكليز الذين تربطهم بالكويت علاقة متينة تحددها المواثيق الدولية.
Ad