في الكثير من الأحداث التي تمر بنا في هذا العالم نجد البشر يعلقون ويتفاعلون معها بعلم أو بدون علم، هذا التفاعل إيجابي بحد ذاته، لكن إذا شارك الإنسان في التعليق على جميع ما يمر بنا فهذا من السلبية الفكرية، إذ لا يمكن أن يفهم أحد كل شيء، ويتحدث بتفصيل في كل أمر، خصوصا إذا كان مصدر معلوماته هو الوسائل الإخبارية أو غوغل أو ربما من كتاب واحد اطلع عليه.

في بعض المجتمعات العربية والخليجية نجد ظاهرة "الفهلوي"، وهو الذي يستطيع التأقلم مع كل الظروف كما يعرفه أهل مصر، "فهلوينا" في الخليج هو من يستطيع الحديث في كل الأمور والتخصصات، ويعلق على جميع الأحداث ويتفاعل في كل المناسبات، فتجده تارة المحلل السياسي وتارة الخبير الاقتصادي وأخرى العقلية الرياضية، وفي أحيان قليلة متذوق الرقص الشرقي! بل يصل الحد في صاحبنا الفهلوي أن ينسب معلومات سمعها إلى كتاب ما، ويقوي حجته برقم الصفحة أيضا، وهو لم يطلع على الكتاب ولم يشتره، بل ربما سمع به للمرة الأولى ونقل عنه!

Ad

الحديث في مواضيع السياسة والاقتصاد والرياضة وغيرها يقسم المتحاورين إلى أربعة أقسام حسب ما أعتقد:

القسم الأول هو من تستفيد منه في حال ناقشته، ويكون عادة من أصحاب الخبرة أو الاختصاص، ولذلك تجد متعة وفائدة من وراء التحاور معه. القسم الثاني من المتحاورين هو ممن يبحثون عن الحقيقة والفائدة فتجدهم يناقشون ويستثيرون الأسئلة من أجل الوصول إلى الحقيقة وهم بفعلهم هذا يوسعون مدارك العقل ويضيفون إلى الحوار زوايا أخرى. القسم الثالث هو أول الأقسام السيئة، فأصحابه مجادلون لا يحبون سوى الحديث ثم الحديث ثم الحديث لأجل الحديث! القسم الرابع وهو القسم الأخطر وغالبه من الفهلوية، وهو قسم القطيع، فهم يمتلكون مهارة الحوار في بعض الأحيان وجزءا من المعلومة، لكنهم متعصبون جدا لما يعتقدون، ولن يتبدلوا أو يتغيروا مهما كشف العلم والمنطق والعقل عوارهم وخطأهم.

هذا القطيع الفهلوي موجود في جميع التخصصات، ففي السياسة تجدهم متعصبين لأحزاب بعينها دون الأخذ بعين الاعتبار أن مبادئ الحزب ذاتها من الممكن أن تكون على خطأ أو تحتاج إلى تطوير، حتى إنهم يتعصبون للحزب أكثر من تعصب المنظّر ذاته الذي اخترع نظرية الحزب أو طوّر فكرته! أما في الدين فحدّث ولا حرج، فالطائفيون يتصدرون المشهد فيه! فما هو حلال على طائفته فعله حرام على الآخر، والعكس صحيح دون النظر في الظروف المحيطة بالفعل أو توقيته، وهؤلاء من أخطر أنواع الفهلوية، إذ إن العلم الديني عندهم كبير لأنهم لن يستطيعوا استثارة عواطف الناس الطائفية دون عمامة أو لحية. أما في الرياضة فتكتيكات القطيع الفهلوي تكتيكات كبيرة، إذ يتابع "تويتر" والتلفاز والصحف والمواقع حتى يتمكن من الحديث في المجلس عن أهم ما سيحدث في المباراة، وإذا خسر الفريق الذي يناصره تجده يضع اللوم على الحكَم المسكين.

حوار القطيع هو حوار الأموات الذين لا حياة فيهم، ولن يحسوا بآلام الطرف الآخر مهما حاول جاهدا أن يصل إلى نقطة التقاء، فالقطيع يحتوي على المثقفين الذين لا يملكون من الثقافة سوى شهاداتهم، ويضم السياسيين الذين لا يعرفون من السياسة سوى المصلحة، والطائفيين الذين لا يعرفون من الدين سوى ما ينصرون به آراءهم، والرياضيين الذين لا يدركون قيمة الأخلاق الرياضية.

ليتنا أعزائي القراء نحاول محاربة الفهلوة والفهلوية من خلال الابتعاد عنهم وعدم محاورتهم، حتى لا نكون ضمن القطيع الذي لن تسمع فيه سوى ثغاء الخراف ورغاء الإبل ونقنقة الدجاج، فالابتعاد حياة.

شوارد:

"أتراك تريد حياة سهلة؟ فابقَ إذاً قريباً من القطيع، وانس نفسك فيه".

تنسب إلى "نيتشه"