حافظ المهندس على علاقة الصداقة التي جمعته بشويكار وابنتها، فكان التواصل بينهما لا ينقطع بشكل شبه يومي، وخرجت شويكار من منزل الزوجية متجهة إلى فيلا خاصة اشترتها في منطقة مصر الجديدة لتكون بعيدة عن السكن الذي جمعها بالأستاذ في الزمالك لسنوات طويلة.

Ad

حرص كل من فؤاد وشويكار على الحفاظ على العشرة الطيبة أمام الناس والجمهور والزملاء، فلم يُضبطا بالفعل يوماً يتحدثان بشكل غير لائق مع بعضهما البعض، مؤكدين دوماً أن سبب الانفصال شخصي، وأنهما سيحافظان على علاقة الصداقة والعلاقة الفنية التي جمعتهما لسنوات.

من جانبه، لم يكن أمامه سوى اللجوء إلى العمل المكثف كي يتمكَّن من نسيان حبه الوحيد شويكار، فالعمل كان شاغله الرئيس عن تفكير في علاقة زواج انتهت فيما مشاعر الحب راسخة كما كان يؤكد.

مع بداية الثمانينيات، دخل فؤاد المهندس مرحلة عمرية مختلفة بالنسبة إلى تواجده السينمائي، فعاد إلى الأدوار الثانية بمجموعة من الشخصيات المختلفة في أعمال متنوعة بعضها كان مع تلميذه عادل إمام، وأبرزها {زوج تحت الطلب}.

قدَّم فؤاد المهندس الكوميديا الراقية التي تميل إلى الرصانة والعمق من دون أن يفقد خفة ظله والتي حافظت على تميز أدواره. وإن كان بعض الأعمال متوسط المستوى مثل {الكداب وصاحبه}، {حالة مراهقة}، إلا أن الأستاذ كان حريصاً على عدم تقديم تنازلات في السينما، فلم يشارك في أعمال تحمل إسفافاً أو خروجاً لفظياً عن الأخلاق والقيم.

يمكن القول إن الأستاذ كان يحاول التوازن بين قناعته الشخصية وبين حدود المتاح من السيناريوهات في تلك المرحلة، خصوصاً مع دخول السينما المصرية مرحلة مختلفة من الإنتاج، وتقلص الأفلام التي يتم إنتاجها سنوياً، فضلاً عن غياب السينما الكوميدية.

المؤكد أن فؤاد المهندس تأثر أيضاً في تلك المرحلة بوفاة صديقه المقرب بهجت قمر الذي كتب له عشرات الأعمال الكوميدية التي جمعتهم سوياً، فوفاته أثرت على المهندس فنياً بشكل كبير، بينما ظلَّ يتذكر مقولة بهجت الشهيرة {هتلوصوا من بعدي} والتي قالها للأستاذ ليلة وفاته.

فوازير عم فؤاد

وسط أحزان فؤاد بعد طلاقه من رفيقة عمره وحب حياته، ووفاة صديقه بهجت قمر وتوأم روحه، فوجىء يوما باتصال من الكاتب مصطفى الشندويلي أخبره برغبتهم في تقديم فوازير للأطفال خلال شهر رمضان، وأنه اتفق مع المخرج محمد رجائي على تقديمها، مستعينا بالأطفال على أن تكون من بطولته.

تحمس فؤاد للفكرة، خاصة أنه سيقوم باستعادة نجاحاته مع الأطفال والذين كان يعشق العمل معهم، وبدأ بالفعل التحضير للفوزير والتي أعادت الأستاذ لقمة المشهد وبجدارة.

 في جلسات عمل مكثفة استمرت لأكثر من شهرين، كان الأستاذ حريصاً على المشاركة في اختيار الأطفال ومناقشة أفكار الحلقات والفوازير وغيرها من تفاصيل تضمن خروج العمل بشكل لائق ومتميز، كما كان يحرص دوما.

حرص فؤاد على إنجاح الفوازير بكل طاقته، فبحث مع المخرج محمد رجائي عن أطفال يمكنهم الظهور أمام الكاميرا، وحضر تدريباتهم كي لا يشعروا بالخوف من التصوير، الأمر الذي استغرق منه وقتاً طويلاً.

كانت أول فوازير قدمها للتلفزيون بعنوان {عمو فؤاد ويا الأجداد} وحققت نجاحاً كبيراً، ما دفع مسؤولي التلفزيون للدخول معه في مفاوضات للاتفاق على تقديم موسم جديد في العام التالي، خصوصاً بعدما نجحت الفوازير، وباعها التلفزيون المصري لعدد من الدول العربية بعد نجاحها الكبير. وفعلاً، قدَّم فؤاد مواسم أخرى ناجحة ولسنوات عدة حتى أصبحت فوازير عمو فؤاد الضيف الدائم على مائدة الأعمال الرمضانية.

في أحد المواسم، طلب فؤاد من الجميع زيادة أجره، مع توفير ميزانية أكبر للديكورات وغيرها من تفاصيل، لكن أولي الأمر في التلفزيون لم يتحمسوا للاستجابة لطلبات الأستاذ التي تضمنت، كما أشرنا، تفاصيل فنية كثيرة تتعلق بالصورة كي لا يكون الإنتاج فقيراً إلى جانب زيادة أجره، وهو ما رفضه المسؤولون فيما اعتقد فؤاد أنهم سيتراجعون سريعاً أمام طلباته لرغبتهم في إتمام الفوازير.

صدمة رفيق العمر

فوجئ فؤاد خلال مطالعته الصحف بخبر في صفحة الفن مفاده أن زميله عبد المنعم مدبولي وافق على بطولة فوازير رمضان بديلاً عن فؤاد المهندس على أن يكون اسمها فوازير {جدو عبده}.

لم يتمالك فؤاد نفسه من الصدمة، فكيف لصديق عمره أن يوافق على تقديم فوازير توقفت بسبب مشاكل واتفاقات مالية وليس بسبب اعتذاره عنها، وهو الأمر الذي جعله يفكر في الاتصال بالمخرج محمد رجائي لكنه تردد حتى قرر الاتصال به هاتفياً بدلاً من الذهاب إلى أستوديوهات التلفزيون.

فؤاد: إزيك يا محمد.

رجائي: أهلا يا أستاذ.

فؤاد: صحيح اللي شفته في الجرنال ده، أنت خلاص قررت تعمل الفوازير مع مدبولي.

رجائي: مش قراري والله يا أستاذ ده قرار الإنتاج.

فؤاد: أنا بسألك يا محمد، مدبولي وافق وهو عارف التفاصيل اللي حصلت.

رجائي: أيوة يا أستاذ، إحنا عرضنا عليه كل التفاصيل وهو تحمس للتجربة.

فؤاد: شكراً مع السلامة.

أغلق فؤاد الهاتف وانهمرت دموعه بالبكاء الشديد تأثراً بما اعتبره خيانة من رفيق العمر، وهو الموقف الذي أثر في علاقاتهما الإنسانية حتى وفاة مدبولي قبل أسابيع قليلة من المهندس، وجعلهما لا يتعاونان سوياً مستقبلا.

لكن المفارقة أن مدبولي الذي قدم 3 مواسم من فوازير {جدوه عبده} لم يحقق أي منها نصف النجاح الذي حققته فوازير عمو فؤاد، وهي ما جعل مسؤولي التليفزيون يعودون للتفاوض مع الأستاذ والاستجابة إلى جميع طلباته من أجل عودته مرة أخرى للتليفزيون حتى يتمكنوا من تسويق الفوازير بشكل جيد.

اتصل المخرج محمد رجائي بالأستاذ، وطلب منه تحديد موعد للقائه، فأدرك فؤاد أن الأمر متعلق بتقديم عمل تلفزيوني جديد، حتى فاجأه في اللقاء بأن مسؤولي التلفزيون وافقوا على جميع شروطه وتركوا له حرية تحديد الأجر الذي يطلبه.

تحمس فؤاد للعودة إلى الفوازير، لكن هذه المرة طلب قراءة الفوازير أولاً من السيناريست فؤاد الشندويلي الذي كان قد انتهى من كتابتها بالفعل، وبدأ الأستاذ في قرأتها ووافق على تنفيذها.

في تلك الفترة كانت علاقة الأستاذ فؤاد المهندس مع مسؤولي الإذاعة جيدة، فعرضوا عليه تقديم برنامج قصير ساخر يتناول فيه الأوضاع السياسية وتكون مدته خمس دقائق، وهو الاقتراح الذي رحب به واقترح اسمه صديقه أحمد بهجت ليكتب الحلقات، خصوصاً أن كتابته الساخرة نجحت بقوة.

عودة الصديق

الحقيقة أن فؤاد المهندس لم يكن سعيداً بالسينما بالدرجة التي تجعله يسعى إليها على العكس من المسرح والإذاعة. لذا فلم يكن يسعى لدى المنتجين والمؤلفين لإيجاد أدوار له، على عكس غالبية أبناء جيله في تلك الفترة، فكان تركيزه بين التلفزيون، الراديو والمسرح. وافق فؤاد المهندس على العودة إلى التلفزيون من خلال مسلسل {أزواج لكن غرباء} مع سناء جميل، وهو المسلسل الذي ظهر فيه بشخصية رجل يصل إلى سن المعاش ويكون رئيساً لمجلس إدارة إحدى شركات البترول لكنه يفاجأ برفض الشركة التمديد له مثلما يحدث في الشركات الأخرى، بينما يتم تصعيد زوجته إلى المنصب، وكالعادة حقق العمل نجاحاً كبيراً ساهم في استعادة اسم المهندس مجدداً حتى كان يوماً فوجئ باتصال هاتفي من صديقه عمر الشريف والذي سبق و تعاونا سوياً.

عمر: إزيك يا فؤاد.

فؤاد: عمر الشريف بنفسه بيكلمني، النجم العالمي أنا مش مصدق أنك رجعت حمد الله على السلامة.

عمر: آه رجعت يا فؤاد إزيك وحشتني.

فؤاد: أنا قلت إنك  نسيتنا خلاص وبقيت في السينما العالمية مع الجميلات.

عمر: أنا رجعت آهوه وعاوز أشتغل في مصر، وأنت كمان تبقى معايا.

فؤاد: يا سلام طبعاً معاك في أي حاجة ومن غير ما أقرأ السيناريو كمان، وآهو تصالحني بعد تريقتك عليه.

فؤاد متعجبا: أنا؟

عمر: ما أنا سمعت اللي أنت قلته عني في {سك على بناتك}.

فؤاد: اااه، يا راجل أنا أفتكرت بتكلم جد.

ضحك عمر وفؤاد في نهاية المكالمة التي اتفقا فيها على أن يجمعهما لقاء في اليوم التالي، بينما سيصل إلى فؤاد سيناريو الفيلم الجديد في المساء لقراءة ملخصه ونسخة كاملة من السيناريو والحوار للاستعداد للدور من خلال فيلم أيوب.

تحمس فؤاد للعمل بعد قراءته القصة التي كتبها الكاتب الكبير نجيب محفوظ وقام بصياغة السيناريو والحوار الكاتب محسن زايد، وبدأ تصوير الفيلم في وقت قصير تحت قيادة المخرج هاني لاشين الذي أسرع في وتيرة التصوير بسبب ارتباطات عمر الشريف في الخارج.

عرض الفيلم بالسينمات لكنه لم يحقق النجاح الذي يتناسب مع نجومية المشاركين فيه، وهو ما دفع عمر الشريف للعودة مجدداً إلى الخارج للتركيز في السينما العالمية التي حقق فيها نجومية كبيرة خلال أكثر من 10 سنوات غاب فيها عن السينما المصرية.

الأستاذ والأطفال

كان حنين فؤاد المهندس إلى المسرح يزداد يوماً بعد الآخر، حتى اتصل به المخرج حسن عبد السلام للحديث معه عن مشروع مسرحي جديد مقتبس من مسرحية {اتي}، وشرح للأستاذ ملخصها عبر الهاتف قبل أن يطلب لقاءه في اليوم التالي.

طبيعة المسرحية التي يدور جزء رئيس منها في دار للأيتام مع عدد كبير من الأطفال، جعلت فؤاد المهندس يبدأ رحلة بحث مع المخرج عن مجموعة من الأطفال للمشاركة في المسرحية، خصوصاً أنه كان بحاجة إلى 22 طفلاً.

لم يفضل فؤاد الاستعانة بالأطفال الذين شاركوه في بطولة حلقات {عم فؤاد}، خصوصاً أن بعضهم لن يتحمل ظروف المسرح وطبيعته والسهر يومياً، لا سيما أن العرض كان سينطلق في الشتاء وسط الموسم الدراسي. حتى قرر أن يعلن عن حاجتهم إلى أطفال للعمل بالمسرحية في الصحف والمجلات.

شارك فؤاد مع المخرج حسن عبد السلام في اختيار الأطفال من المتقدمين للإعلان، فكان يبدأ من الصباح الباكر وحتى المساء، على مدار أسبوع كامل لاختيار 22 طفلاً وطفلة بينما ظل البحث عن البطلة الرئيسة معلقاً، خصوصاً أنها ستكون البطلة أمامه. حتى شاهد الطفلة رانيا عاطف التي جاءت مع والدتها للاختبارات فقرر إسناد البطولة إليها، لتكون بطلة {هالة حبيبتي}.

بروفات عدة ومجهود كبير بذله المهندس مع الأطفال لتدريبهم، خصوصاً على المشاهد الصعبة، لاسيما هالة التي وجد فيها موهبة تمثيلية كبيرة، وطاقة للعمل حاول توظيفها بشكل جيد على خشبة المسرح، فعاملها مثل أبنائه وكان يطمئن عليها باستمرار حتى في أيام الإجازات.

بدأ عرض المسرحية على مسرح الزمالك وسط ترقب لأحدث إبداعات الأستاذ التي يبتعد فيها عن رفيقة مشواره شويكار للمرة الأولى بشكل كامل بعد انفصالهما، فجاء نجاح المسرحية مدوياً في توقيت كان يعاني فيه المسرح من تراجع الكوميديا بشكل كبير.

كانت الصحف لا تتحدث إلا عن المسرحية والطفلة المعجزة رانيا التي نجحت في التمثيل وكأنها شابة في العشرينيات وليس طفلة لم تتجاوز 10 سنوات، حتى فوجئ الأستاذ بإنذار من مجلس الدولة يعترض فيه على عمل الأطفال وسهرهم حتى وقت متأخر كل يوم.

ضحك فؤاد كثيراً عندما وصله الإنذار فكانت علاقته بالأطفال ليست علاقة ممثل بأشخاص يساندونه في المسرحية فحسب ولكنها علاقة أب بأبنائه. كان يرسل سيارة لكل منهم إلى منزله كي تأتي به إلى المسرح، وتوصله بعد انتهاء العرض مباشرة، مع وجود طبيب يومياً في الكواليس لمتابعة حالتهم الصحية، بالإضافة إلى تواجد مدرسين لهم  لمراجعة دروسهم معهم.

كانت كواليس المسرح كأنها بيت كبير يجمع أباً وأبناءه، فكانت الجوائز أسبوعية لثلاثة منهم، المتفوق على المسرح، المتفوق في المدرسة وصاحب أفضل معاملة، وكانت الهدية {شكولاتة}  من الخارج كانت تصل الأستاذ إلى منزله.

نجاح المسرحية جعل الأستاذ يوافق على تقديمها لثلاث سنوات متتالية، وهي المرة الأولى التي يوافق فيها على تكرار عرض المسرحية لأكثر من موسم، فكانت آخر أنجح أعماله المسرحية جماهيرياً، والأهم أنها ساعدته على تجاوز أحزانه وإحساسه بالوحدة بعد انفصاله عن شويكار وزواج أبنائه وانشغالهم بحياتهم الشخصية، لذا كان يعتبر الأطفال وأهاليهم عوضاً عن أهله الذين أبعدتهم الحياة عنه، كذلك ساهمت في إحساسه بمواصله قدرته على العطاء الفني، وأنه ما زال متربعاً على عرش المسرح ومن دون منازع.

غير أن النجاح الفني لم يمنع أو يوقف إحساسه بالوحدة، فكيف عاش الأستاذ السنوات الأخيرة في عمره؟

«كلمتين وبس»

يعتبر برنامج {كلمتين وبس} الذي بدأت إذاعته على موجات شبكة البرنامج العام أحد أكثر البرامج الإذاعية الساخرة شهرة في تاريخ الإذاعة المصرية، حيث كان يكتب حلقاته أحمد بهجت ويذاع يومياً في الصباح الباكر وينتقد الشخصيات كافة في المجتمع.

ورغم وجود قيود في النقد الإذاعي والتلفزيوني، فإن البرنامج نجح في كسر الحواجز بالتابوهات غير القابلة للنقد في الإذاعة، فكان معبراً عن لسان حال المواطنين بفضل الأسلوب البسيط وحقق نجاحاً كبيراً.

نجاح البرنامج دفع مسؤولي الإذاعة لرفع الرقابة عن البرنامج، بعد مصادمات مرات عدة مع رقابة التلفزيون تدخل وزير الإعلام لرفع الرقابة عن البرنامج بشكل كامل، فكانت الحلقات تعرض مباشرة من دون مراجعة رقابة الإذاعة.

كان يتم تسجيل حلقات الأسبوع   مرة واحدة أو مرتين أسبوعياً لمواكبة الأحداث والتطورات السياسية، فنجح البرنامج بالتعبير عن رد فعل المواطنين خلال الأزمات والمشاكل بشكل كبير.

استمر البرنامج على أثير الراديو لأكثر من 23 عاماً، إلى أن قرر المهندس وبهجت وقف البرنامج بسبب الحالة الصحية التي مر بها وشعوره بأن البرنامج استنفد أغراضه مع بداية انتشار الفضائيات.

 التفاصيل في الحلقة الأخيرة