ولد نعيم في الحرب ومات في الحرب أيضاً؛ مثل أية صدفة أخرى يمكن أن تحدث في حياتنا. هكذا يمكن لصحافي محترف أن يلخص قصة الموت المفاجئ لنعيم الورداني لحظة وقوفه أمام باب مطبعته الحديدي في الشارع الخلفي لبيته، وقتها باغتته رصاصة وسقط على الأرض، وقبل أن تصل به سيارة الإسعاف إلى المستشفى كان قد فارق الحياة. في الشريط الإخباري للفضائيات المحلية، ضاع اسمه في زحمة العشرين قتيلاً الذين قضوا في أحداث اليومين الأخيرين. ماذا يمكن أن يحدث أكثر من ذلك؟

كان الأمر محض صدفة عابرة وموت عابر.

Ad

استيقظ نعيم في الصباح، كما يستيقظ في كل صباح آخر. لا شيء يختلف. صباح بارد من صباحات آذار الغائمة والنسمات الرطبة تتسلل من النافذة الشرقية لغرفة نومه العريضة ذات الحواف الخشبية المدهونة باللون الأزرق السماوي. باستثناء ثرثرة الجيران في طريقهم إلى السوق، وصوت الراديو من بيت أم فوزي الأرملة، لا شيء يثير الانتباه. تململ قليلاً في الفراش، طرد بقايا النعاس عن جفونه، أمسك طرف الشرشف الأحمر ذي الوردات البيضاء مثل حقل ربيعي، سحبه إلى أعلى جسده، وأخذ نفساً عميقاً. ما زالت في الشرشف رائحة آمنة. كان يفعل هذا كل صباح. ثمة أشياء تستطيع دائماً أن تسحبنا بعيداً في الماضي وترحل بنا، دون

أن ندرك أنها بهذا تؤكد لنا أنها لم تعد إلا من الماضي. وكعادته أيضاً ينهض بتثاقل، يطوى الشرشف بشغف محب، يتذكر حبيبته، ويضعه على طرف السرير.

الغرفة البيضاء ذات السقف الأسبستي، والنافذة الشرقية، والخزانة البنية القديمة، وعلاقة الملابس خلف الباب، المرآة المستديرة على الحائط، السجادة الخمرية على العتبة من الخارج والمزهرية الفخارية على الطاولة الصغيرة التي تتوسط المسافة بين الباب وحافة السرير بورداتها الذابلة... الغرفة على حالها. عالم صغير يسرد قصة حياة تجاوزت الثلاثة وستين عاماً. في صالة البيت الصغيرة ثمة ثلاث صور بالأسود والأبيض موضوعة في إطارات بنية داكنة معلقة على الجدار. صورة لنعيم وهو في منتصف العشرينيات من عمره، بجوارها صورة لوالده إبراهيم أيضاً في مقتبل الثلاثينيات، وثالثة لجده حسين، لكنها لرجل في الستينيات من عمره. صورة الوالد إبراهيم والجد حسين التقطتا في يافا قبل الحرب، قبل أن يولد نعيم. في صورته يبدو نعيم بسوالف طويلة وشعر غزير. على ما يبدو فالصورة التقطت في أوائل السبعينيات. أما الأب إبراهيم فيزين رأسه طربوش منشى جيداً والجاكيت الأسود الداكن وياقة القميص البيضاء والعينان الحادتان الممعنتان في المستقبل البعيد. في صورته كان الجد حسين يضع على رأسه كوفية سمراء مرقطة ويحكم عليها عقال أسود عريض. الكوفية تتدلي على كتفيه فوق ياقة الجاكيت الأسود. كان يجلس على كرسي من الخيزران. يداه على ساقيه المتقاطعتين، وثمة حبل أسود تتدلى أجزاء منه في جيب سترته، كأنّه لساعة دائرية قديمة أو لنظارات طبية. على الجانب الآخر للجدار وقرب الباب الخارجي للبيت ثمة صورة لمدينة يافا بالأسود والأبيض، تبدو فيها البيوت على تلة تقف بهدوء فوق صدر البحر. الصورة القديمة ذاتها التي يمكن أن توجد في كل الكتب التاريخية عن المدينة التي ولد فيها نعيم.

كان الماء يغلى في الركوة الصغيرة التي وضع فيها البيضات الأربع، فيما كان يعد قهوته الصباحية، ويقطّع جبنة الماعز إلى شرائح. طقوس يؤديها وهو مغمض عينيه. كانت تلك طريقة آمنة في صنع القهوة. تترك الماء يغلي، ثم تضع القهوة وتخفض درجة النار أسفلها، ثم تبدأ بإزالة الرغوة الكثيفة عن وجه القهوة، وتتركها تغلي مرة أخرى. كان هذا الصباح عادياً جداً، لم يكن فيه شيء يلفت الانتباه. الحركة ذاتها والطقوس نفسها وسيجارة الصباح أيضاً. كانت عقارب الساعة لم تتجاوز السابعة بعد. أتم كل شيء، وضعه على الطبلية الصغيرة في حوش البيت. في الغرفة الأخرى كانت سمر تستيقظ على صوت رنات جوالها. لم تزل في الفراش حين دلف يغني لها:

الحلوة دي الحلوة دي قامت تعجن في البدرية والديك بينده كوكو كوكو في الفجرية ياللا بينا على باب الله يا صنايعية يجعل صباحك صباح الخير

نفس الأغنية ونفس الحركة وفي نفس الوقت ونفس الابتسامة التي ترتسم على وجهها، الكسل والتمطي ذاتهما في الفراش، ثم القفز السريع إلى طبلية الأكل، حيث لم يعد وقت كثير يفصل بين البيت ووقت المحاضرة عند الثامنة. هذا عام سمر الأول في الجامعة. سمر وحدها بقيت له من العائلة. لا يحب التفكير في ذلك، ويؤلمه أن يخطر هذا على باله، لا بد لهذا الخاطر أن يمر ولو مروراً عابراً. فكلهم تركوه. إخوته يتنقلون في المنافي البعيدة، أحدهم في تشيلي والآخر في الصين حيث يعمل في توريد البضائع واثنين في الأردن. قصة عادية. ابنة الثاني في السجن يكاد يظن أن باب الزنزانة قد صدأ ولم يعد يفتح، فأكثر من عشرة أفواج خرجت من السجن منذ توقيع اتفاق أوسلو وبقي سالم خلف القضبان. ابنه البكر سليم وجد ضالته في السفر وفي الدراسة، فمنذ أن أنهى الثانوية العامة التحق بيرزيت في الضفة الغربية، وبعدها بأربع سنين عاد إلى غزة لسنتين، ومن ثم ذهب إلى بريطانيا لاستكمال تحصيله العلمي، وبعد سنتين عاد ومكث عاماً وسافر بعدها إلى إيطاليا للدراسة أيضاً. وهكذا لم يعد يراه إلا لوقت قصير. البنت البكر تزوجت ابن خالتها وسافرت معه إلى السعودية بحثاً عن الاستقرار والثراء.

ظلت له سمر الصغيرة الشقية التي روضتها الوحدة وخففت من شقاوتها. الطفلة التي وجدت نفسها وحيدة مع الرجل الذي بدأ يخطو على عتبة الكهولة، تستمتع لحكاياته كل ليلة حين يعود من المطبعة وحزنه المخبأ على القتلي الذي يقوم بعمل الصور والبوسترات لهم، أو عن حنينه إلى آمنة «أجمل بنت في المخيم»، ولحظة لقائه بها في طريق عودتها من المدرسة الثانوية في المخيم. كان لقاءً عاصفاً في حياته. تبادلا النظرات، وحضنت كتبها إلى صدرها وواصلت سيرها مع صديقاتها هبوطاً إلى قلب المخيم، حيث سيعرف أنها تسكن في أحد الأزقة الفرعية في الحارة التي يسكنها. الصدف تكون جميلة أحياناً. قالت له ذات مرة إن كل ما يدعى أنه صدفة هو من تدبيره، فهو الذي يعرف متى ينتهي يومهم الدراسي، ويعرف الشارع الذي تعود منه إلى البيت، فيمر من الشارع خلال ذلك الوقت. المرة الأولى قد تكون صدفة لكن الصدفة لا تحدث إلا مرة واحدة، لأنها بعد ذلك لا تعود صدفة. قصص نعيم عن آمنة أشهى من الإفطار، الذي تتناوله سمر قبل أن تنط إلى غرفتها تحمل حقيبتها، وتخرج بعد أن تطبع قبلة على خده، ثم تقرصه معاتبة «احلق ذقنك قبل ما تطلع». الشعرات السمراء المطعمة برشقات بيضاء تلف ذقنه. يتحسسها ويقوم إلى الحمام يحلقها، ثم يضع الكالونيا ويخرج إلى العمل في هذا الصباح الجديد.

كانت الشوارع فارغة، والصبية يحملون صحون الفول وأكياس الفلافل الورقية عائدين إلى البيت، وراديو أم فوزي يتحدث عن حرب محتملة في مكان ما في العالم. هبط التلة. في شارع الحارة كانت صورة شادي لم تفقد بريقها رغم مرور سنتين على إلصاقها، كانت عيناه تشعان بحزن كأنهما تأسفان على مغادرة الحياة. يوم جاءه الشباب بالصورة لم يكن يعرف أن شادي قد رحل، ولم يكن يعرف أن القناص أرداه قتيلاً فيما كان يلعب الكرة في الساحة خلف المدارس.