في مدينة غرناطة الإسبانية، وفي هذا الفردوس الساحر، تسطع نجوم الشعراء والأدباء والمفكرين بين أزقتها وأسوارها المنيعة، في قصر الحمراء وقصبتها، وحماماتها الأندلسية وأسواقها، ونهرها الجاري. هنا يولد الإبداع والفكر، حتى كتبت على جدران المدينة مقولة رائعة للناقد والشاعر والمؤرخ من أصل مكسيكي فرانثيسكودي إيكاثا Francisco De Icaza ألا وهي: «أعطيه صدقة يا امرأة، لا يوجد شيء في الدنيا أكثر حزناً من أعمى يتنزه في غرناطة!».

Ad

معنى اسم غرناطة هو الرمانة، والتي وضعت كرمز للمدينة، وصولاً إلى علمها، حيث رسمت عليه هذه الفاكهة، يصف ابن بطوطة هذه المدينة بأنها قاعدة بلاد الأندلس وعروس مدنها، وأنه لا نظير لها في الدنيا! فكيف بتميزها لا تلد المتميزين الذين كُتِبت أشعارهم بماء الذهب على صفحات التاريخ الأندلسي الجميل.

واحدة من شاعرات الأندلس وفخرها هي نزهون بنت القلاعي والمشهورة بنزهون الغرناطية... وهذا اسم أندلسي خالص، حيث كان أهل الأندلس يسمون مثل هذا النوع من التسمية تحبباً وتعظيماً، كزيدون ونزهون وعبدون ووهبون، أما القلاعي فلأن أصل أبيها كان من مدينة القلعة أو قلعة «يحصب» بالقرب من غرناطة.

لم يحدد المؤرخون تاريخ ولادتها أو وفاتها، ولكن لمع نجمها في سنة 1155 ميلادية، حيث اتصفت بخفة الروح، وحفظ الشعر والأمثال، وسريعة البديهة والجواب، وكانت صاحبة فكر ودعابة وجمال شديد ولافت... ولم يكن بغرناطة مثلها في الشعر الجريء والمكشوف من الحياء.

جالست العديد من أعيان وشعراء الأندلس مثل الوزير أبي بكر بن سعيد في عهد المرابطين، وأبي بكر محمد الأعمى المخزومي، وابن قزمان شاعر الأزجال... فخالطتهم وناظرتهم وتحدتهم في الشعر، حتى أحرقت الغيرة قلب الوزير أبي بكر بن سعيد، والذي كان مولعاً بها وبجمالها قائلاً: «يا من له ألف شخص من عاشق وعشيق! أراك خليت للناس سد ذاك الطريق!».

فترد عليه نزهون بشعر تفصح فيه أنه من المقربين إليها، وأنه لا حبيب في قلبها سواه! حيث كانت تلقي الشعر في مجلسه، وتتردد عليه مراراً، حتى التقت بالأعمى المخزومي، شاعر الهجاء والذي كان فاقدا نعمة البصر، وقد عرف عنه أنه كان شديد الشر، يتسلط على الأعراض، سريع الجواب، حتى أنه أسكت الوزير في مجلسه يوماً، فما كان من نزهون إلا أن هاجمته بشراسه مدافعة عن وزيرها، فتنحنح الأعمى وسألها: من تكون، فردت عليه بأنها امرأة في مقام أمه!

فرد عليها قائلاً: كاذبة، ما هذا بصوت عجوز، وهاجمها بأسلوب بذيء جداً، فحاول الوزير التدخل، ولكن نزهون هاجمته بما هو أشرس وسخرت منه... حيث بدأت مناظرته بشعر أكثر بذاءة من سابقه وصولاً إلى شرفها، حتى تدخل الوزير وأقسم أن يكفا ولكن المخزومي، رد قائلاً: أكون هجّاء الأندلس وأكف عنها دون شيء؟! فاشترى منه الوزير عبداً كان عنده وأصلح بينهما فخرج راضياً.

 ولكن هذه العداوة تحولت إلى شيء آخر! أصبحت نزهون الغرناطية تلميذة للمخزومي بعد هذا الخصام! فكانت تقرأ له وتتعلم منه في المقابل. وذات مرة دخل عليهما الكتندي مداعباً المخزومي، قائلاً له إن تلميذته فتنة لكل ناظر، وإن فرصته فاتت بسبب فقدانه نعمة البصر، فترد نزهون: لو كنت تبصر من تكلمه لغدوت أخرس من خلاخله! فسبحان مغير الأحوال!

ويذكر التاريخ أن نزهون كانت ترفض الصحبة ومن يريد خطبتها، فترد عليهم رداً لاذعاً ساخراً، وتكشف عن عشقها دون حياء، فتصف نفسها بالشمس وهو بالقمر تارة، وتارة بالريم وعاشقها بالأسد! كما كانت ذات شعر مكشوف وعشق أكشف!

وبالرغم من أن الذي وصلنا من شعرها كان متعرياً، ألا أنه كان مستساغاً وذا طابع غزلي طريف، وفي بعض الأحيان ساخراً... ما كتب لشاعرتنا التميز، تقول:

إن كنت في الخلق أنثى

فان شعري مذكر!

دمتم بسحر غرناطي.