هنري مارش ليس مجرد طبيب مشهور بل طبيب مهووس بالضرر الذي قد يلحقه بمرضاه. بعد أن بلغ ذروة النجاح في مهنته، يعبّر في مذكراته Do No Harm عن مخاوفه وأخطائه والنشوة الخطيرة التي يمكن أن تصيب جراح الأعصاب! يبلغ مارش اليوم 65 عاماً وهو احد أشهر جراحي الأعصاب البريطانيين. حين كان رئيس قسم في مستشفى سانت جورج في لندن، ساهم في تطوير تقنية جراحية تحت تخدير موضعي: يبقى المريض واعياً ويستطيع التواصل مع الجراح خلال الجراحة، ما يسمح له بتجنب أي ضرر في المساحات اللغوية داخل الدماغ. لكن رغم إنجازاته، كتب مارش: {مع اقتراب مهنتي من نهايتها، من واجبي أن أعترف بالأخطاء التي ارتكبتها}. منذ بضع سنوات، نظم الجراح مؤتمراً بعنوان {أسوأ أخطائي}. طوال أشهر، كان يمضي فترات الصباح في السرير حيث يسترجع ذكرياته بشأن جميع الجراحات التي أخفق فيها: {كلما كنت أغوص في الماضي، كانت أخطائي تعود إلى الواجهة}.
بالنسبة إلى المدرّس، حصلت التغيرات بوتيرة بطيئة. بدأ كل شيء بفقدان القدرة على المشي بشكل متوازن ثم تضرر سمعه وأصبح منحني الكتف. لم يبلغ الستين من عمره بعد لكنه مضطر إلى استعمال عكاز للتنقل. حضر هو وزوجته وابنه إلى عيادة جراح الأعصاب هنري مارش في لندن. راح الأخير يحلل الصورة التي تكشف عن نمو ورم في قاعدة الجمجمة. هل يجب استئصاله؟ تردد مارش في اتخاذ قراره، فقد كانت خبرته حينها تقتصر على بضع سنوات في مجال جراحة الأعصاب. كان الورم ضخماً ويقع في جذع الدماغ، وهي منطقة حساسة جداً. إذا بقي الورم على حاله، سيقضي على سمع المريض ثم يمنعه من المشي ويقتله في النهاية. لكنّ الجراحة قد تجعله مشلولاً أو أسوأ من ذلك! كان قرار أفراد العائلة صعباً. لذا فضّلوا استشارة جراح أعصاب أكبر سناً. بعد بضعة أيام، اتصل الأخير بمارش وقال له: {هذه الجراحة تناسب جراحاً شاباً! أخبرتُهم بأنك الشخص المناسب لإجرائها}. فقبل مارش التحدي. بدأت الجراحة في التاسعة صباحاً ودامت حتى ساعات الليل. جراحة الأعصاب هي فن حساس وخطير. يمكن تشبيه استئصال الورم بتفكيك قنبلة. يستعمل الجراح مجهراً وأدوات رفيعة وطويلة لاستخراج الورم من الدماغ ثم يشفطه في المرحلة الأخيرة. يجري ربع الدم في عروق وشرايين الدماغ وقد يؤدي تمزق أي واحد منها إلى نزيف أو جلطة. يجازف الجراح أيضاً بإزالة جزء من الدماغ لأن النسيج الدماغي ونسيج الورم يتشابهان. لكن على عكس بقية أجزاء الجسم، نادراً ما تلتئم جروح الدماغ والنخاع الشوكي. إذا ارتكب جراح الأعصاب أي خطأ، لا يمكن عكسه في أغلب الأحيان.نحو منتصف الليل، استخرج مارش وفريقه معظم أجزاء الورم. ساد جو من الراحة والاحتفال في غرفة العمليات ثم أخذ الفريق الطبي استراحة. يقول مارش في مذكراته: {كان يمكن أن أكتفي بهذا القدر وأترك الجزء الأخير من الورم في مكانه. لكني قررت متابعة الجراحة. حين بدأتُ أستهدف الجزء الأخير من الورم، مزقتُ فرعاً جانبياً من الشريان القاعدي، فبدأ الدم يتدفق}. يغذي الشريان القاعدي جذع الدماغ الذي ينظم بقية الأجزاء الدماغية. أوقف مارش النزيف سريعاً لكن كان نقص الأوكسجين كافياً كي يتضرر جذع الدماغ، لذا لم يستعد المريض وعيه.قرر مارش الكشف عن أخطائه لأنه يريد الاعتراف بها بعد أن تعمق في حياته الداخلية وحلل كيف أثرت به هذه الإخفاقات على المدى الطويل. استعمل الجراح البريطاني في كتابه عبارة الفرنسي رينيه لوريش: {يجرّ كل جراح مقبرة وراءه وهو يقصدها للصلاة من وقت إلى آخر}. يدرك مارش أن ميله إلى الاستبطان ليس عملاً احترافياً لأن الجراح لا يجب أن يتأثر بمعاناة المرضى. لكنّ سلوكه ينبع من {صدق متهور}. حين تكلم في مؤتمره أمام حشد من جراحي الأعصاب، ساد صمت تام ولم يطرح عليه أحد أي سؤال. يُعتبر كتابه عملاً تكفيرياً ومحاولة للإجابة على هذا السؤال: كيف يمكن أن نمضي عقوداً طويلة ونحن نشرّح أدمغة البشر ونخرج سالمين؟أصبح مارش جراح أعصاب عن طريق الصدفة. خلال دراسته في جامعة أكسفورد، عاش حباً من طرف واحد. ثم قصد نيوكاسل في شمال شرق إنكلترا لمعالجة صدمته العاطفية. فكتب هناك قصائد سيئة وعمل في أحد المستشفيات حيث كان يرافق المرضى على النقالات وحضر أول عملية له: {وجدتُ هذا العنف المدروس مغرياً جداً}. بعد نيل الشهادة في عام 1973، تسجل في كلية الطب التابعة للمستشفى الملكي المجاني. لم يكن يحق للطلاب الدخول إلى أقسام جراحة الأعصاب، لكن في أحد الأيام شاهد عبر ثقب الباب {امرأة عارية ومخدّرة وحليقة الرأس على طاولة الجراحات}. انحفرت تلك الصورة في مخيلته وبدت له وكأنها مأخوذة من فيلم رعب.تزوج مارش ونال شهادة في الطب. بعد فترة قصيرة، أصيب ابنه ويليام بورم في وسط دماغه وهو في شهره الثالث وكان يمكن استئصاله عبر جراحة ناجحة. يظن الطبيب الأب أنه لم يدرس مخاطر الجراحة كما يجب. كتب بعد فترة طويلة: {شاهدتُ طفلاً يموت بسبب النزيف داخل الغرفة التي خضع فيها ابني للجراحة، فقد أخفق الجراح الذي أنقذ حياة ابني في استئصال ورمه}. بعد فترة من خضوع ابنه للجراحة، شارك مارش الذي كان يعمل حينها في وحدة العناية الفائقة في جراحة لمعالجة تمدد الأوعية الدموية. كان يجب أن يصل الجراح إلى عمق دماغ المريض لاستئصال الكتلة الصغيرة والمليئة بالدم وإغلاق الشريان بمشبك معدني صغير من دون تمزيقه: {كان الأمر أشبه بتمرين دموي ولم يكن مجرّد تطبيق لتقنية هادئة وباردة. استهدفت الجراحة عضواً مسؤولاً عن جميع الأفكار والمشاعر... كانت الجراحة معقدة وحساسة وخطيرة ولها دلالة مهمة. ففكرتُ في نفسي: هل من مهنة أفضل من جراحة الأعصاب؟}. هكذا أغرته جراحة الأعصاب الغريبة والوحشية والسحرية فبدأ يتدرب في أقرب فرصة.كان هنري مارش منبهراً بالدماغ ويحب تأمله بمجهره الجراحي. بالنسبة إليه، بدا المشهد مدهشاً: {إنه مشهد أوضح وأدق وأكثر عبقرية من مشاهد العالم الخارجي وكان قلقي الدائم يعيد إحياء تلك اللحظات القوية والألغاز التي ترافقها}. ينشأ ذلك القلق قبل الجراحة، وتحديداً عند اتخاذ القرار بإجراء الجراحة التي يمكن أن تتخذ منحىً سيئاً. يستمر هذا القلق خلال سلسلة المواعيد التي يضطر فيها مارش لعرض المخاطر المطروحة من دون إخافة المريض. حين يتجه الجراح إلى المستشفى في يوم الجراحة، ينتباه رعب شديد. ويصيبه الهلع قبل الجراحة مباشرةً وهو لا يتبدد إلا في اللحظات الأخيرة ويحل مكانه تركيز تام على مسار الجراحة.كتب مارش أنه يكره إجراء جراحة في الدماغ. يجد نفسه أمام جسم بلا حركة ورأس محلوق وغالباً ما يتساءل عن تداعيات أي قرار يتخذه: إذا لم يوضع المشبك في مكانه الصحيح لمعالجة تمدد الأوعية الدموية، هل يجب أن يجازف ويصحح موقعه؟ لفعل ذلك، يجب أن يقاوم مارش رغبته القوية في إنهاء الجراحة وتبديد الخوف من حصول نزيف كارثي. لكنه يتخذ قراره النهائي في مكانٍ ما من لاوعيه حيث تجتمع {أشباحه} الداخلية لمراقبته.مواجهة العائلة القلقةيمكن أن تكون الكوارث في عالم جراحة الأعصاب وحشية. يستيقظ المريض أحياناً متمتعاً بصحة جيدة ظاهرياً لكنه يموت بعد بضعة أيام نتيجة جلطة أو نزيف مرتبط بالجراحة من دون معرفة سبب ما حصل. ويمكن أن تظهر أمراض عدة إذا تضرر الدماغ بشدة وهذا الموضوع يرعب مارش كثيراً: {لا أحد سوى جراح الأعصاب يفهم معنى مقابلة شخص قضى على مستقبله أو مواجهة العائلة القلقة والثائرة التي تقف حول سرير المريض}. إنها التجربة التي عاشها المدرّس الذي خضع للجراحة. بعد سبع سنوات على الجراحة الفاشلة، زار مارش مؤسسة للمرضى المشلولين وحين ألقى نظرة على الغرفة، تعرف إلى جسمه المتقوقع في السرير: {لا يمكن أن أصف الألم الذي تسببه هذه التجارب!}.شجار سخيفبعد عقود على مزاولة الطب، واجه مارش جميع أنواع الإخفاقات الممكنة. يمكن أن تتعلّق الأخطاء بتشخيص شائب أو بكبرياء الطبيب حين يقرر استئصال جزء كبير جداً من الورم. قد لا يفصح الجراح عن بعض الأخطاء للمريض أو يمكن أن يتحمّل مسؤولية ما فعله. كتب مارش: {بعد الجراحة، طلبتُ من العائلة أن ترفع شكوى ضدي. ارتكبتُ خطأً فادحاً}! أو يمكن أن تقع أخطاء غير مباشرة، كما حصل حين طلب مارش من طبيب متدرب أن يجري جراحة بسيطة في النخاع الشوكي لكن سرعان ما وجد المريض نفسه مشلولاً. في مستشفى الأمراض النفسية، يقابل مارش ضحايا لجراحات في فصوص المخ. في صباح أحد الأيام، أجرى جراحة بعد شجار سخيف مع زميل له، فخرج المريض من الجراحة وكان نصف وجهه مشلولاً: {ربما كان الأمر ليحصل في مطلق الأحوال لأن الشلل أحد المضاعفات المحتملة في هذا النوع من الجراحات، لكني أعلم أنني لم أكن في وضع نفسي يسمح لي بإجراء جراحة دقيقة وخطيرة بهذا الشكل. وحين قابلتُ المريض أثناء جولتي في المستشفى خلال الأيام اللاحقة، كان وجهه مشلولاً ومشوهاً. شعرتُ بخجل عميق}.في هذا الإطار يتحدث الفيلسوف بيرنارد ويليامز عن ظاهرة {الثروة الأخلاقية}. بالنسبة إليه، يكون جزء كبير من الحياة الأخلاقية متعلقاً بالحظ. قد يعرّضنا بعض المواقف غير المقصودة لأحكام الآخرين أحياناً، فلا نكون مسؤولين بأي شكل عن أفعالنا. يشير هذا الوضع إلى جانب مقلق من الحياة الأخلاقية: يتعلّق توزيع مشاعر الذنب بالحظ الجيد أو بسوء الطالع!تتأثر حياة الجندي مثلاً بهذه القاعدة الأخلاقية وينطبق الأمر نفسه على جراح الأعصاب أيضاً. يوضح مارش: {كلما زادت خبرتي في هذا المجال، تزداد أهمية الحظ في حياتي}. لا شك أنه سيُلام على فشله ويتلقى التهنئة على نجاحه. بشكل عام، يحتاج الشخص الذي يتمتع بالثروة الأخلاقية إلى معايير أخرى، عدا أخلاقيات المهنة، للحكم على نفسه. أنشأ مارش معاييره بناءً على عواطفه الخاصة. حتى لو لم يكن الطبيب يستطيع السيطرة على مسار الجراحة، هو قادر على التحكم بمشاعره على الأقل، فيحاول ألا يسمح لتلك المشاعر بأن تضخّم خوف المريض وقلقه. في الوقت نفسه، يحاول ألا يكذب بل يفضل الكشف عن عواطف قوية وواقعية في آن. في أحد مقاطع الكتاب المؤثرة، يقف مارش إلى جانب أحد مرضاه المفضلين، ديفيد، وهو رجل ودود وذكي يعرفه منذ 12 سنة. حارب مارش ورم ديفيد على مر ثلاث جراحات، لكنه بلغ طبقة عميقة وحساسة من الدماغ. شرح الجراح بحزن شديد أن الجراحة الرابعة لن تفيد في شيء، لكنّ ديفيد شكك بذلك. فشدّ مارش على يده وقال: {كان شرفاً لي أن أعتني بك}.بعد فترة قصيرة، فرّغ مارش جميع مشاعره. بعد أن غادر المستشفى، عَلِق في ازدحام سير وراح يشتم السائقين وكأنهم مسؤولون عن اقتراب موت هذا الرجل الرائع الذي سيجعل زوجته أرملة وأولاده الصغار يتامى: {رحت أبكي وأصرخ وأضرب مقود السيارة! شعرتُ بالعار، ليس لأنني لم أنجح في إنقاذ ديفيد، بل لأنني أعجز عن فصل مشاعري عن مهنتي}.يبدو أن مارش تخلى عن قوانينه الخاصة حين أعدّ الكتاب فهو يطلق العنان لعواطفه بعد أن حاول إخفاءها لفترة طويلة. لكن تعبّر القوانين عن تعقيدات الحياة الداخلية والأخلاقية ويريد مارش أن يفهمه القراء على ضوء تلك التعقيدات.يكتب الطبيب وكأنه روائي فيركز على المشاهد وبناء القصة وآثار التناقض في الأسلوب. يحب مارش أن يرى ملامح الراحة على وجوه أفراد العائلة حين يشاهدونه وهو يخرج من غرفة الجراحات ليحمل لهم أنباءً سارة: الحياة وليس الموت! لكنه يميل بطبيعته إلى تذكّر الإخفاقات وليس النجاحات. من الواضح أن مارش تأثر بحالة المدرّس وقد غيّرته هذه التجربة على المستويات المهنية والروحية. ما عاد يجري جراحات مدتها طويلة وما عاد يتكل على تفاؤله ومهارته وبات يخاف من أثر العمليات الجراحية عليه.فيلم وثائقييُعتبر هنري مارش شخصية مهمة وقد خصّه المخرج جيفري سميث في عام 2007 بفيلم وثائقي بعنوان {الجراح الإنكليزي}. لكن يبدو أن بطل فيلمه يختلف قليلاً عن مارش الحقيقي. في الفيلم، يبدو مارش ساذجاً وضخماً ويضع نظارات دائرية. وحين يتكلم بمفردات طبية، يتحمس وكأنه طفل! وحين يتوتر قبل الجراحة، يرتفع صوته ويمسك رأسه بيديه. غالباً ما يبتسم لكن تغرورق عيناه بالدموع حين يعلن أنباءً سيئة ويقول لعائلة المريض: {يمكن أن تكون الحياة قاسية جداً! أنا آسف}. من الواضح أنه رجل حساس!في مرحلة معينة من الفيلم، يزور مارش كاتيا، والدة طفلة حاول إنقاذ حياتها. يصف المشهد في كتابه قائلاً: {شعرتُ بتأثر شديد لدى رؤية كاتيا لدرجة أنني بالكاد تمكنتُ من الكلام}. من المدهش أن يصبح رجل عاطفي لهذه الدرجة جراح أعصاب! لكن يؤدي العمر في هذه المهنة دوراً مهماً: {زدتُ قسوة مع مرور الوقت كما يفعل جميع الأطباء. لكن بدأ هذا الفصل بين العمل والعواطف يتلاشى فيما أقترب من نهاية مهنتي}.في كييف، يجري مارش مع جراح أعصاب اسمه إيغور كوريليتس عمليات بمعدات جراحية من الدرجة الثانية. يصف في كتابه الرعب الذي يشعر به حين يعمل في جو غريب ويستعمل تلك المعدات، لكنه لا يحدد تفاصيل ما يفعله هناك. يعترف مارش بأنه يحاول إيجاد التوازن الصحيح بين الأمل والواقع وبين الموضوعية والتعاطف حين يتحدث مع مرضاه.لا تعكس المقاطع السوداوية في كتابه نوعاً من التواضع المزيف، إذ يبدو أن رغبته في التكفير عن أخطائه هي التي تعطي طابعاً قاتماً لذكرياته: لا يستطيع تجاوز مشاعره حين يشاهد معاناة المرضى. في الفصل الأخير، يتحدث الجراح عن حضور امرأة كان قد أجرى لها جراحة قبل عشرين سنة حين كانت مصابة بورم حميد. أنقذت تلك الجراحة حياتها، لكن قُطِع أحد أعصاب وجهها. هذا ما يسميه الجراحون {تضحية ضرورية}. مع معظم المرضى، تُتَرجم هذه التضحية بخدر في الوجه، أو فقدان الشعور بالألم، وسرعان ما يتكيف المريض معه.يبدو أن مارش لا يخشى شيئاً بقدر فقدان الشعور بالألم: لا يتحمل فكرة أن يفقد الشعور، لذا يبدو مصمماً على عيش مشاعره إلى أقصى درجة ممكنة!
توابل - EXTRA
اعترافات جراح الأعصاب هنري مارش: ارتكبتُ خطأً فادحاً!
09-12-2015