الثورة حراك شعبي جامع جامح لا يخضع لقرار حاكم أو رغبة نظام له مسبباته من ظلم وطغيان، وكبت للحريات، وانعدام للعدالة الاجتماعية، وتدهور للأحوال الاقتصادية والمعيشية، وهذه هي مسببات الثورة في كل زمان ومكان. يعتقد بعض الحكام أن الثورة فعل يتم بقرار رئاسي أو وفقا لقانون ينشره النظام في الجريدة الرسمية للدولة!! والعجيب أن يجد هؤلاء الحكام بين الكتّاب والمثقفين والمنظرين لهم من يؤكد ذلك، ويقسم أن الثورة لن تقوم إلا بموافقته ولن تتم إلا بإرادته ولن تنجح إلا برغبته!! وهذا أمر لا يتفق مع أي تعريف للثورة سواء كان سياسيا أو تاريخيا... نظريا أو عمليا.فالثورة حراك شعبي جامع جامح لا يخضع لقرار حاكم أو رغبة نظام له مسبباته من ظلم وطغيان، وكبت للحريات، وانعدام للعدالة الاجتماعية، وتدهور للأحوال الاقتصادية والمعيشية، هذه هي مسببات الثورة في كل زمان ومكان، وله كذلك نتائجه من تغيير مفاجئ وكبير يؤثر في جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذه هي الثورة كما يعرفها الجميع.قد يحدث الخلط عند البعض بحسن نية، نتيجة للاستخدام الخاطئ لكلمة ثورة، والتوصيف الخاطئ لفعل ما، كما حدث في مصر عام 1971 عندما أطلق البعض وصف ثورة على الصراع بين أطراف السلطة فسميت "ثورة التصحيح" و"ثورة مايو"، وكذلك ما حدث في سبتمبر 1981 عندما تم القبض على 1500 شخص في ليلة واحدة وسماها أحد كبار الكتّاب في مصر آنذاك "ثورة سبتمبر"، لكن الحقيقة أن ما حدث في 1971 كان صراعا على السلطة بين أركان الحكم استطاع فيه رئيس الجمهورية القضاء على الطامعين في الحكم سواء من الوزراء أو أعضاء اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي (حزب السلطة في مصر في ذلك الوقت) والقبض عليهم، وأقصى الجميع ليستقر له الأمر، وحدث كل ذلك والشعب يتابع ما حدث من خلال بيانات الإذاعة دون أن يخرج مواطن واحد أو ينزل إلى الشارع، فهل يمكن أن تسمى هذه ثورة؟صحيح أنه بعد أن استقرت الأمور وبأوامر سلطوية خرجت الجماهير مؤيدة وجاءت الوفود من المحافظات مبايعة للرئيس، ولكن كل ذلك تم بعد نهاية الفعل الذي لا يمكن أن يوصف بالثورة، وكذلك ما حدث في 1981 من إلقاء القبض على 1500 معارض في ليلة واحدة من مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية، أين الثورة في ذلك؟!وإن أردنا الدقة فما يمكن أن يتم بقرار حاكم هو "الثورة المضادة" إن جاز التعبير، فعندما يثور الشعب ضد الحاكم ويرفض الحاكم الخضوع لرأي الشعب، ويتشبث بالحكم ويتمسك بالكرسي فإنه يسعى من خلال قرارات وقوانين للقيام برد فعل عكسي بـ"ثورة مضادة" لإجهاض ثورة الشعب، وهذا يحدث كثيرا في البلاد التي تنجح الأنظمة فيها في الاستمرار ضد رغبة شعوبها، سواء استمر النظام بأفراده ذاتهم أم بتغيير بعضهم ولو كان الحاكم نفسه، ويكون السؤال هنا هل يمكن اعتبار "الثورة المضادة" هنا ثورة حقيقية تحركها إرادة الشعب؟ أم تظل الثورة وصفا احدا فقط مرهونا بالإرادة الشعبية ورغبة الجماهير وقدرتها على الحركة وإثبات الوجود وإحداث التغيير، سواء تم ذلك بإرادة الحاكم أم رغما عنه؟ هذا هو السؤال.
مقالات
الثورة... قرار حاكم أم إرادة شعب؟
01-01-2016