يأتي رمضان هذا العام، والعالم الإسلامي يشهد ارتفاعاً في نسبة العمليات الإرهابية عن العام الماضي، ففي أحدث تقرير للخارجية الأميركية صدر مؤخراً، ذكر أن الهجمات الإرهابية في العالم ارتفعت بمعدل الثلث في 2014، كما ارتفع عدد القتلى بنسبة 81 في المئة، مقارنة بــ2013، وتضمن التقرير أن 16 ألف مقاتل من 90 دولة، التحقوا بــ"داعش"، وقد استحوذت 5 دول هي: العرق وباكستان وأفغانستان والهند ونيجيريا على أكثر من 60 في المئة من إجمالي الوفيات، وبلغ عدد الهجمات الإرهابية 13463، وأدت إلى مقتل 17800 شخص في العام الماضي، كما زاد عدد عمليات الخطف ثلاثة أضعاف. وأكد التقرير أن منطقة الشرق الأوسط ظلت المسرح الرئيسي للأنشطة الإرهابية في عام 2014 مع تصاعد نفوذ تنظيم "داعش".

Ad

 وإذا كان المسلمون في مختلف دول العالم قد استقبلوا الشهر الفضيل بالإكثار من الطاعات والتقرب بالصدقات سعياً إلى الثواب والغفران فإن تنظيم داعش استقبل الشهر الفضيل بتنفيذ عملية إعدام جماعية في الموصل، ولم تمنع حرمة هذا الشهر هؤلاء من القيام بأعمالهم الإجرامية، بل ازدادوا ضراوة ووحشية، ووصل بهم الفجور والغلو في الإجرام إلى أنهم أصبحوا يستهدفون المساجد، بيوت الله تعالى، يفجرون المصلين، ويسعون في خرابها، ويَصُدُّون عن إعمارها بالمصلين، لدرجة أنهم زرعوا في نفوس البعض توجساً من الذهاب إلى دورالعبادة.

هؤلاء الذين قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، لا يراعون قدسية لبيوت الله تعالى، ولا أي حرمة للشهر الفضيل، لقد استهدف داعشيو اليمن ثلاثة مساجد، عشية شهر رمضان المعظم، في ما سمي بمجزرة المساجد لقتل أكبر عدد من المصلين وبث الرعب والفزع في النفوس، وبهدف الصد عن بيوت الله تعالى والسعي في خرابها، هكذا فعلوا في مسجد الإمام علي كرم الله تعالى وجهه، ومسجد الإمام الحسين بالدمام وفجروا المصلين، وأخيراً وليس آخراً، اعتدوا على مسجد الإمام الصادق في الكويت وأودوا بحياة العشرات الذين ذهبوا شهداء، غير المئات من المصلين الجرحى، لقد أكثروا الفساد وأراقوا المزيد من الدماء، لكن ربك لهم بالمرصاد.

 زحفوا على مدن وقرى عامرة في العراق وسورية وحولوها خراباً يباباً ودمروا آثاراً تاريخية لا تقدر بثمن، وتسببوا في نزوح الآلاف من بيوتهم ومدنهم، هرباً من هول فظائعهم، هاموا على وجوههم بأسرهم وأطفالهم وتقطعت بهم السبل، ومن استطاع النجاة، فإنه يعيش اليوم في مخيمات بائسة تفتقد أدنى درجات الرعاية الصحية والإنسانية، منظر الأطفال البائسين عبر الفضائيات يدمي القلوب ويوجع النفس، يستغيثون ويستصرخون، ولا مجيب أو مغيث، دعونا نتساءل: لماذا ينشط الإرهابيون ويزدادون ضراوة ووحشية في هذا الشهر الفضيل؟! لماذا أصبحوا يستهدفون المصلين في المساجد ويفجرون بيوت الله تعالى؟!

هؤلاء طبع الله تعالى على قلوبهم وزين لهم شياطينهم أن أعمالهم العدوانية، جهاد في سبيل الله تعالى، وفي رمضان، يضاعف لهم الأجر - بحسب زعمهم في أدبياتهم المنشورة عبر المواقع الإلكترونية - هؤلاء الذين قال تعالى عنهم "الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"، بل هم الأخسرون أعمالاً في الدنيا والآخرة.

ودعونا نتساءل مرة أخرى: لماذا يزداد الإرهاب انتشاراً ويزيد ضراوة ووحشية؟! لماذا يستمر شباب مسلمون من مختلف دول العالم في الالتحاق بداعش، وهم يَرَوْن فجوره وخروجه على جميع الثوابت الدينية والإنسانية والأخلاقية؟! أين دور مؤسساتنا الدعوية والتعليمية؟! وأين دور الأسرة والجامع والجامعة؟!

يتعجب المرء من طبيب يعيش في أستراليا ويحمل جنسيتها وينعم بحقوقه وحرياته، يتخلى عن كل شيء ويلتحق بداعش معلناً تخليه عن الجنسية الأسترالية، وداعياً زملاءه الأطباء إلى الالتحاق به! ما الذي يجذب هؤلاء إلى هذا الفكر المريض؟! ما الذي يدفع المئات من دول وسط آسيا والدول المجاورة مثل أوزبكستان وطاجيكستان ومن دول أوروبا ومن أستراليا وغيرها للانضمام إلى صفوف داعش؟! ما هذه الحماسة لنصرة داعش؟! يضحون بأنفسهم من أجل داعش! أطفال يربطون أحزمة ناسفة حول بطونهم ويفجرون أنفسهم فداء للتنظيم الإرهابي!

حقاً إن الإنسان سجين فكره المنغلق، وكما يقولون "الإنسان عدو نفسه"، هؤلاء الذين يتكبدون المشاق وينفقون الأموال في سبيل الوصول إلى داعش، هم أعداء أنفسهم، هم سجناء أفكارهم الضالة، ولا أشك لحظة أنهم "مرضى" القلوب والنفوس، وإلا ما سعوا إلى التهلكة سعياً، إذ لا يوجد سبب منطقي أو مبرر مقبول لانضمامهم إلى داعش، هم لا يعانون فقراً أو بطالة، بل أحوالهم المادية ميسورة، كما أنهم لا يشكون ظلماً سياسياً أو اضطهاداً اجتماعياً أو استبداداً أو حرماناً من حريات دينية أو مذهبية أو سياسية! معظهم أتوا من بلاد منحتهم كل حقوقهم وحرياتهم، ووفرت لهم وسائل المعيشة الكريمة، فما الذي دفعهم إلى داعش؟! ما الذي أتى بهم إلى هذاالتنظيم الوحشي؟! لا جواب عندي غير أن النفوس المريضة تقع على أمثالها، إنها إذن "النفوس المريضة"، والتي لا تألف إلا أمثالها من النفوس المريضة والعقول الضالة.

* كاتب وأكاديمي، عميد كلية الشريعة بجامعة قطر (سابقاً)