اختارت مجلة Time المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لتكون "شخصية العام" في خطوة تنم بوضوح عن قصر النظر،

Ad

بعد أن أشارت المجلة إلى دورها بصفتها "القائد الفعلي للاتحاد الأوروبي" وتوجيهها الاتحاد الأوروبي خلال أزمات وجودية كبرى واجهها خلال السنة، وأوضحت أن المستشارة الألمانية "تقدّمت بطريقة مميزة حتى بالنسبة إليها".

وتُعتبر هذه الكلمات دقيقة من ناحية: سيتضح أن قرار ميركل المتسرع بدعوة أكثر من 20 مليون لاجئ سوري إلى أوروبا أحد أهم القرارات في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.

أضف إلى ذلك معالجتها أزمة منطقة اليورو، وتحويلها الأمة اليونانية إلى مستعمرة تابعة للاتحاد الأوروبي (أو بالأحرى ألمانيا)، وانتقادها قادة أوروبا الشرقية الذين يشككون في قراراتها، واسترضاء تركيا في محاولة يائسة للحد من دفق المهاجرين الذي ساهمت في إطلاقه، ولا شك أن المستشارة الألمانية تستحق الجائزة بالتأكيد.

لا أحد يشكك في مكانة ميركل الأخلاقية الرفيعة، فقد اتخذت القيادة، إلى جانب أوباما، في المطالبة بفرض العقوبات على روسيا عقب زعزعتها الاستقرار في أوكرانيا، وأمة ديمقراطية ذات سيادة ترغب فحسب في إقامة علاقات تجارية مع أوروبا، وقد نالت ميركل الثناء أيضاً لمطالبتها بأن تعيش اليونان وفق مقدراتها الخاصة وتسدد ديونها، فضلاً عن فرضها الاستقرار المالي على حكومة قررت أنها لا تريد الانصياع لقوانين الاقتصاد.

أخيراً، رحبت ميركل في ألمانيا باللاجئين الهاربين من سورية التي تمزقها الحرب لتساهم في حل أزمة المجتمع المتقدم في السن في بلدها، مما دفع بكثيرين إلى مدحها لأنها بدّت الاعتبارات الإنسانية على المصالح السياسية.

لكنها تواجه اليوم الاستنكار بسبب تدفق أكثر من مليون لاجئ، تفشي مشاعر الغضب، واستياء شعبها.

إذا تأملنا ما وراء الخطابات وتحققنا من أطر القرارات العامة، ترتسم أمامنا صورة أقل زهواً، لا شك أن ميركل قادت الهجوم ضد بوتين، رغم انزعاج قطاع الصناعة الألماني، وتحولت مع إتمام اتفاق مينسك إلى "مستشارة أوروبا".

دعم الشعب الألماني هذه الخطوة: أيد 65% منه فرض العقوبات على روسيا وأعرب 78% عن عدم ثقتهم بموسكو،

ولكن اتضح اليوم أن ألمانيا تمضي قدماً في صفقة لبناء خطي غاز جديدين من روسيا إلى ألمانيا، مما يكشف أن المستشارة الألمانيا لا تتردد في التصدي لروسيا، شرط ألا يكون ذلك على حساب التجارة الألمانية.

على نحو مماثل، تبدو مطالبتها اليونان بالتقشف خطوة ناقصة بعض الشيء عند التأمل في تفاصيلها، من المؤكد أن الحكومات اليونانية السابقة أنفقت بإسراف وكان عليها بكل وضوح أن تقوم بإصلاحات كبرى كي تبقى في منطقة اليورو.

لكن الرابح الأكبر من صفقة الإنقاذ الأخيرة كان المصارف التي أقرضت اليونان المال في المقام الأول، فقد أُنفقت أموال صفقة الإنقاذ بادئ الأمر على تسديد قروض معدلات فائدتها عالية. أتعرف لمن؟ للمصارف الألمانية. إذاً، ففي حين كانت ميركل تطالب الشعب اليوناني بالتقشف والتعقل، حرصت على أن تكون المؤسسات الألمانية التي أقرضت اليونان المال أول مَن يجني المكافآت.

لكن كل هذا يُعتبر غير ذي أهمية مقارنة بقرار المستشارة الألمانية الكبير فتح أبواب أوروبا أمام كل اللاجئين السوريين، فلا نشكك مطلقاً في مأساة مَن يهربون من إرهاب "داعش" والأسد المضاعف، إلا أن ترحيب ميركل زاد وضع الهجرة المزري سوءاً.

بدل التقدم بطلبات لدخول الاتحاد الأوروبي من مخيمات للاجئين، كما اقترحت بريطانيا، حيث يمكن إتمام التحقق الضروري من خلفياتهم، فضلاً عن تأمين المساعدات اللازمة، دُفع عدد كبير من اللاجئين إلى قوارب مهربي البشر. ولا عجب أن هؤلاء المجرمين لا يكترثون بهويات مَن يهربونهم، بل بالمبالغ الطائلة التي سيجنونها.

بالإضافة إلى ذلك، تصل أعداد كبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط إلى شواطئ اليونان للمطالبة باللجوء، ومن الطبيعي أن تشعر دول أوروبا الوسطى والشرقية بالاستياء لأنها لم تُستشر قبل أن تبدأ أعداد كبيرة من المهاجرين بالعبور إلى أراضيها، لكن قرار نقل المهاجرين السوريين عبر أوروبا يعود أيضاً إلى المستشارة عينها التي حظيت بالتهليل لاستقبالها اللاجئين في ألمانيا.

لكن الدعم الشعبي متقلقل، فما إن يلمس الشعب الألماني التداعيات الحقيقية لقرار المستشارة، حتى يطالب بسرعة أن تبدل مسارها وتفرض حداً على عدد المهاجرين الذين سيُقبلون في ألمانيا.

لكن الأوان قد فات اليوم، فقد عبَرَ الملايين إلى أوروبا أو هم في طريقهم إليها؛ لذلك كانت الخطوة الوحيدة المتاحة أمامها لتحاول إعادة ضبط الحدود الألمانية اللجوء بيأس إلى تركيا، وقد أصاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان حين فكر أنه يحمل كل الأوراق الرابحة، ونتيجة لذلك، يطالب اليوم بثمن باهظ لقاء مساعدته: عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي ومبلغ 3 مليارات يورو.

بما أن ميركل والقادة الآخرين في الاتحاد الأوروبي يريدون حل هذه الأزمة مهما كان الثمن فإنهم قبلوا بمطالبه، لكن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد يشكل القشة التي تقصم ظهر هذا الاتحاد، فلن يقبل الاتحاد الأوروبي بنحو 75 مليون تركي (بعضهم متعاطف مع التطرف الإسلامي) فحسب، لكنه سيرحب أيضاً، بقبوله بإردوغان، برجل يجعل أسوأ قادة دول أوروبا الوسطى والشرقية يبدون أسياد التسامح.

لا شك أن تطوراً مماثلاً سيلحق ضرراً كبيراً بالمُثل الأوروبية التي يرتكز عليها الاتحاد الأوروبي، مما قد يتحول إلى جرح لا يشفى منه؛ لذلك من الأفضل أن نسرع في إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

كريس كارتر