كان براين ويسندن يُحسَد على وضعه: فهو كان يقف في مياه ضحلة في غابة استوائية جافة في كوستاريكا ويشاهد فراخ السمك وهي تتنقل في المياه المتلألئة. من خلال مراقبة نموها وتسجيل أعدادها، وكان يأمل أن يحصل على فكرة واضحة عن مخاطر افتراسها. لكنه شاهد ظاهرة غريبة: زادت أعداد بعض الأجناس، بدلاً من أن تنقص، رغم استهدافها من الحيوانات المفترسة. ضمن هذه المجموعات، كانت ثمة فراخ سمك أصغر حجماً من غيرها، وذلك يشير إلى أنها لا تنتمي إلى العائلة نفسها. اكتشف ويسندن مصادفة أن أسماك البلطي تتبنى صغار أسماك أخرى. لكنه تساءل عن السبب الذي يجعلها تفعل ذلك.

Ad

في عالم البشر، نعتبر التبني عملاً صالحاً وإنسانياً. لكن في الطبيعة، إنه سلوك مُحيّر. يبدو أن ميل الحيوانات إلى تحمّل عبء تربية صغارٍ لا ترتبط بها وراثياً يخفّض احتمال صمودها أو لا يوفر أي منفعة على الأقل، ما يعني أن هذه النزعة قد تكون تطوَّرت عبر عملية الانتقاء الطبيعي. لكن يبدو التبني شائعاً على نحو مفاجئ في الحياة البرية. حين بدأ ويسندن وعلماء آخرون يبحثون عن السبب، اكتشفوا أن الحيوانات تتبنى صغار غيرها لأسباب متفرقة. في بعض الحالات، لا تكون هذه الممارسة بريئة بل تترافق مع نوايا سيئة على نحو مزعج. لكن في حالات أخرى، قد تعطي منافع ملحوظة للصغار و{للأهل بالتبني».

الأسر النواة نادرة في الطبيعة: ثمة حيوانات تتخلى بكل بساطة عن صغارها وتتركها لمصيرها. وحين تتولى التربية بنفسها، قد تتخذ أشكالاً عدة. في بعض الحالات، يتولى أفراد غير الأهل مهمة الاعتناء بالصغار: قد يهتم الشمبانزي مثلاً بأشقائه الصغار، أو قد تتقاسم الحيوانات التي تعيش ضمن جماعات مهمّة مجالستها. لكن تكون الحيوانات المعنية بهذه المهمة من الأقارب بشكل عام، لذا يشتق سلوكها من مصلحتها في نقل الجينات التي تتقاسمها. قد تبرز إيجابيات أخرى أيضاً مثل الشعور بالأمان وسط أعداد كبيرة من الأفراد. لكنّ «التبني» مسألة مختلفة.

يبرز في هذا المجال مثال تقليدي يسهل فهمه. يعرف جميع الأهالي أن تربية الأولاد تكون مكلفة ومتعِبة وتستنزف الطاقة، ما يعني الاستفادة من تكليف الآخرين بهذه المهمّة. من المعروف أن صغار الحيوانات المتطفّلة مثل الوقواق وطائر الكاوبيرد تطبّق هذه الاستراتيجية. في هذه الحالة، يحصل التبني بالإكراه وتطور الحيوانات المتبنّية المحتملة طرقاً لمحاولة تجنب مصيرها. لكن إذا راقب المضيف محيطه بحذر، قد تصبح الكائنات المتطفّلة أكثر خبثاً في سعيها للتفوق عليه. تجد نفسها عالقة في {سباق تسلّح} تطوري لأن التبني عملية مكلفة لكل من يضطر في النهاية إلى الاعتناء بالصغار.

طائر الوقواق

في ما يخص طائر الوقواق، تؤدي هذه الظاهرة إلى موت صغار المضيف. في العادة، يخرج الكائن {المُتبنّى} من البيضة أمام شركائه في العش ويتخلص من البيض المتبقي. ستواجه أي فراخ متبقية المصير نفسه. يقول مارك هوبر من كلية هانتر في جامعة نيويورك: {هو مبرمج لقتل الاثنين}. من خلال التخلص من المنافسة، يحتكر صغار الوقواق جميع كميات الغذاء وتستعبد أهلها بعد استضافتها جراء طلبات وتوسّلات لا تتوقف. حتى إن صغار الوقواق الصقري تحمل رقعاً تشبه الأفواه على الجهة السفلى من أجنحتها. تومض تلك الأجزاء أمام الأهل وتطالب بزيادة إمدادات الغذاء لأنها تشبه ثلاثة أفواه يجب إطعامها وليس فماً واحداً. تبرز فصيلة أخرى في هذا المجال: إنه طائر الكاوبيرد بني الرأس في أميركا الشمالية.  لا يقتل شركاءه في العش بل يستعمل الأمر لمصلحته، فيستحوذ على كمية أكبر من الحصة الغذائية التي يوفرها الأبوان المنهكان.

حتى الفترة الأخيرة، كنا نفترض أن هذا التبني المبني على الخداع يحصل على حساب المضيف، لكن يبدو أن لهذه الظاهرة منافعها في حالات نادرة ويتعلق أهم عامل فيها بالحجم. على عكس معظم الفراخ المتطفّلة، تكون صغار الوقواق أصغر حجماً من صغار الطيور بالتبني التي تنتمي إلى فصيلة الغراب الأوراسي. في وقت سابق من هذه السنة، تبين أن صغار الغراب تستفيد من التوسل القوي أمام أشقائها بالتبني لكسب المزيد من الطعام مقابل بذل جهد أقل. كذلك، تفرز صغار الوقواق مادة لها رائحة كريهة جداً لردع الحيوانات المفترسة على الأرجح بحسب قول دانييلا كانستراري التي تعمل في جامعة أوفييدو في إسبانيا وقد شاركت في هذه الدراسة. لا نعرف بعد ما إذا كانت المنافع تتفوق على التكاليف بالنسبة إلى الغربان على المدى الطويل، لكن تشير الأبحاث التي تقوم بها كانستراري وزملاؤها إلى أن الإيجابيات تفوق السلبيات، في بعض الحالات على الأقل. بالنسبة إلى الفراخ المتطفّلة، يدفع الأهل الصغار إلى التبني وتستعمل الأخيرة الحيل حين تخرج من البيض. لكن قد ينجم التبني في الحياة البرية أيضاً عن خطأ في تحديد الهوية.

الكنغر الرمادي

لنأخذ الكنغر الرمادي الشرقي مثلاً. بين عامَي 2008 و2013، راقبت ويندي كينغ وزملاؤها في جامعة كوينزلاند، أستراليا، مصير 326 كنغراً في حديقة ويلسون برومونتوري الوطنية في فيكتوريا وسجلوا 11 حالة من تبادل الصغار. لا تزال الظروف التي تقف وراء ظواهر التبني مجهولة، لكن حصلت أربع حالات منها بطريقة مباشرة بينما وقعت أربع حالات أخرى بعدما خسرت أم صغيرها. كانت كل أم بالتبني تنتج الحليب وقد تبنّت الصغار من العمر والجنس نفسه واعتنت بها إلى حين فطمها.

ما الذي يحصل فعلياً؟ قبل كسب الاستقلالية، يمر صغار الكنغر الرمادي بفترةٍ تمضي فيها الوقت داخل وخارج جيب أمها. بعد الخروج من جيبها، تشمّ الأم صغيرها قبل السماح له بالعودة إلى الداخل، لكن يشتبه فريق كينغ بأن بعض الصغار قد يتجنب اختبار الشم خلال المشاجرات، ما يسمح للكنغر الهش بالدخول سريعاً والهرب من الخطر. حين يدخل إلى جيب خاطئ، قد يكسب رائحة الأم الجديدة، ما يجعل رائحته قريبة من رائحة صغارها.

بالتالي، يُعتبر عدم التعرف إلى الصغار السبب الرئيس للتبني {العرضي} ضمن هذه الفصيلة، وينطبق الأمر نفسه على أجناس أخرى. نستخف بقدرتنا على تمييز الأفراد، إذ لا تتمتع جميع الحيوانات بهذه المهارة. غالباً ما تستعمل مؤشرات مثل الصوت والرائحة والنظر، لكنها تتمكَّن حصراً من التمييز بين الذكور والإناث، وبين المظاهر المألوفة وغير المألوفة، وبين الفئات الطاغية والفئات الثانوية. صحيح أن ثمة حيوانات طورت القدرة على تحديد صغارها، لكنها ليست قدرة ممتازة، ما يمهد لحصول أخطاء واحتيال.

استياء الصغار

قد تكون عواقب التبني بعد ارتكاب خطأ في تحديد الهوية وخيمة. في حالة حيوانات الكنغر الرمادي، تُرِكت صغار الأمهات بالتبني وماتت. لكن ينجم بعض عمليات التبني في الطبيعة عن مساعي الصغار إلى إيجاد احتمالات أفضل. تبني إناث البق المستعير مثلاً عشاً من البيض على مقربة من بيض حشرات أخرى لا ترتبط بها. تهتم الأم بالبيض قبل أن يفقس، ثم تطعم صغارها بعض نباتات النعناع العشبية. يُعتبر إيجاد هذه النباتات مهمة تنافسية ولا تستطيع كل أم الحصول على حصة عادلة. إذا لم يكن معدل التسليم جيداً، قد يقرر الصغار التخلي عن أمهم والانضمام إلى مجموعة تقدم غذاءً أفضل.

يشبه هذا السلوك ما تفعله أجناس عدة من طيور النورس، فقد تتركها صغارها بحثاً عن أهل أفضل في حال عدم الحصول على كميات كافية من الغذاء. إذا تمكنت من شق طريقها نحو عش تكون فيه الفراخ أصغر حجماً منها، ستتفوق عليها وتكسب كمية أكبر من الغذاء.

تميل صغار الطائر البحري الطائش أيضاً إلى عرض نفسها للتبني إذا فشل أهلها في تأمين الغذاء. إذا كان أحد الفراخ الأصغر بين أشقائه ووجد أهله صعوبة في إطعامه، سيتعرض لخطر التنمر حتى الموت من أشقائه. بالتالي، إذا كانت المستعمرة مكتظة وبدت الظروف أفضل حالاً في أعشاش أخرى، قد يجرّب الفرخ المستاء حظه في عش جديد. لكن ستكون الحياة في ذلك العش صعبة لأن الفرخ يكون أصغر بقليل من سكانه.

 قد ترتفع المخاطر التي ترافق ترك العش الأصلي، لكنّ مخاطر البقاء فيه تبدو أكثر حدة.

الطفيليات

نقص الغذاء ليس السبب الوحيد الذي يدفع الصغار إلى البحث عن عش جديد. استنتج بيار بيز وزملاؤه من جامعة بيرن في سويسرا أن طائر سمامة الصرود الذي يولد في عش مكتظ بذباب يمتص الدماء يسعى إلى إيجاد من يتبناه بأي ثمن. كلما زاد عدد الطفيليات، تزداد رغبة الفراخ في الانتقال إلى عش جديد. بهذه الطريقة، يمكنها تجنب الطفيليات وتقليص الآثار الكارثية على نموها وتطورها.

يبدو التبني بين الإوز أكثر إرباكاً. من خلال دراسة الإوز البري أبيض الرأس في سفالبارد في القطب الشمالي النروجي، لاحظ الباحثون في جامعة غرونينغن في هولندا انتشار ظاهرة التبني خلال أول أسبوع من حياة فراخ الإوز. في البداية، ظنوا أن الأمر صدفة. لكن عند مراقبة سرعة الحيوانات المفترسة، مثل الثعالب القطبية الشمالية والنوارس، في التقاط الإوز، اكتشفوا أن وضع العائلات الأكبر حجماً يكون أفضل من وضع العائلات الصغيرة. في الجامعة، وجد جان كومدور أن صغار الإوز البري الرمادي تكون مسؤولة عن قرارات التبني، فتفضل العيش مع عائلة لها مكانة اجتماعية أعلى لتحسين فرصة نجاتها: {نظن أن الفرخ يقرر متى يريد مغادرة عائلته ويختار العائلة التي يريد الانضمام إليها}. يستطيع القيام بذلك لأن الإوز تجد صعوبة على ما يبدو في التعرف إلى صغارها قبل أن تبلغ الأخيرة يومها التاسع تقريباً.

قد يختار فرخ الإوز عائلة جديدة لكن لا يتسنى للجميع اتخاذ هذا القرار. ربما تشمل أغرب أمثلة على التبني {خطف} صغار الحيوانات الأخرى لاستعمالها كدرع حي. يبدو أنها الظاهرة التي تقف وراء التبني بين سمك البلطي الذي درسه ويسندن الذي يعمل الآن في جامعة ولاية مينيسوتا في مدينة مورهيد. بما أن الحيوانات المتبناة تكون أصغر أعضاء العائلة، اشتبه ويسندن بأن التبني ليس مجرد عملية عشوائية. كشفت التجارب أن صغار الحيوانات الأصلية تميل إلى النجاة من خطر الافتراس بين المجموعات التي تشمل الفراخ الأصغر حجماً أكثر من تلك التي تفتقر إلى فراخ بالتبني. يوضح ويسندن: {للحيوان المفترس فرصة واحدة وهو يختار الفريسة السهلة. من خلال تبني فراخ أصغر حجماً من صغاره، يحضرّها الأهل لتكون أهدافاً. إنه سلوك وحشي}.

لم يتضح بعد كيف يتبنى سمك البلطي فراخاً يمكن التضحية بها. يقول ويسندن: {لا يكف السمك عن البحث وإذا شاهد صغاراً ولم يأكلها، يستميلها للانضمام إلى عائلته}. من الواضح أن التبني مفيد جداً لدرجة أن غالبية الحيوانات تلجأ إليه. من خلال إجراء فحوص أبوة على سمك البلطي في كوستاريكا، اكتشف ويسندن حديثاً أن 80% تقريباً من العائلات تشمل صغاراً متبناة.

لكن لا يكون جميع الأهل بالتبني أغبياء أو سيئين. في بعض الحالات، قد يكون الاعتناء بصغار حيوانات أخرى حلاً يفيد الطرفين. بالنسبة إلى السمك الطائر مثلاً، يهتم الذكور بالصغار. يحدد الأب المحتمل منطقته وينظف الجزء السفلي من صخرة وينتظر أن تضع الأثنى بيضها هناك ثم يخصّبها. تقول سوزان ألونزو من جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز: «في مرحلة معينة، يغادر الذكر الذي يكون أب الصغار الحقيقي». ثم يحتل المكان ذكر آخر لا يرتبط به ويكون أصغر حجماً منه، فيدافع عنها من أسماك وحيوانات مفترسة أخرى. تفضل الأنثى  ذكور الطيور التي تبحث عن بيض سليم، لذا قد يكون الأب بالتبني محظوظاً، رغم حجمه، فيخصّب بعض البيض الخاص به.

في عالم الحيوانات، تشير قصص وافرة إلى عدم وجود سبب واحد لحصول عمليات التبني ولا تزال الألغاز التي يجب حلّها كثيرة. لكن في فصيلة السمك الطائر على الأقل، يبدو التبني عملاً منطقياً. تقول ألونزو: {ضمن هذه الفصيلة، إنها سمة منتقاة جنسياً}. بعبارة أخرى، تحب الإناث الأب العاطفي، لذا طور الذكور ميلاً إلى التبني لأن هذه السمة تزيد الجاذبية الجنسية.