ورثت المملكة الإسبانية واحداً من أهم المعالم التاريخية العربية التي تعكس الحضارة والتمدن الذي كان يعيشه العالم الإسلامي في العصر التاسع بالأندلس، فذلك العصر الملقب بعصر الطوائف حافظ على مجموعة من الحمامات العربية، فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الأندلسية. ورغم وجود حمامات عربية في حقبات مختلفة مثل عصر المرابطين والأمويين وغيرهما، فإن هذا العصر تميز بها، بل وصل الحال إلى سن المسيحيين قانوناً ببناء حمامات في العصور الوسطى تحت تأثير عربي بحت.

Ad

تأثر المسلمون جداً بالحمامات الرومانية أيضاً بسبب حبهم للبخار وميلهم الشديد إلى النظافة، وهذا من دون شك أحد التأثيرات الإسلامية، مما جعل الحمامات الأندلسية متفردة ومتميزة جداً من حيث البناء، لذا يعتصر القلوب الأسى عندما نعلم بهدم الكثير من الحمامات الأندلسية التي شاع اسمها بحمام (Hmam) وتحديداً أثناء الحملات الصليبية التي شنها الملوك الكاثوليك على المسلمين لاسترداد الأندلس منهم، ولكن لحسن الحظ فإن بعض هذه الحمامات بقيت مقاومة لصروف الدهر.

وأحد أهم الحمامات الأندلسية في قرطبة هو «بانيو» خلفاء قرطبة الموجود في قصر الخليفة بقرطبة، حيث كان لاستخدامه الشخصي ولحاشيته، وتم بناؤه في العصر العاشر، إضافة إلى بانيو سانتا ماريا في الحي العبراني بقرطبة والذي كان لاستخدام العامة من الأندلسيين.

وكذلك هناك الحمام التابع لقصر فيجادومباردو في مدينة جيان الإسبانية والمسمى بالنينو، وهو واحد من أكبر الحمامات في إسبانيا، وتم تشييده في العصر الحادي عشر، ومازال على ما هو عليه حتى اللحظة، فضلاً عن الحمام المسمى ملاك طليطلة الموجود بنفس المدينة، وبالرغم من وجود العديد من الحمامات بين أزقتها، فإن هذا الحمام يتمتع بحالة جيدة مقارنة بسواه.

أما غرناطة فتتمتع بواحد من أجمل الحمامات العربية، والذي تم تشييده في العصر الحادي عشر على يد ابن حبوس وتسمى بانويلو دي غرانادا، ولكن ماذا عن الحمام الملكي في الحمراء بغرناطة؟ فقد سمي بهذا الاسم لأنه كان حماماً خاصاً للملوك الكاثوليك! وقد تم الاستيلاء عليه بعد إحدى الحملات لاسترداد غرناطة من المسلمين، وما يميز هذا الحمام ليس فقط الشكل بل الأسماء المتعددة التي يحملها مثل بانيو قصر كوماريس.

من الحمامات المشهورة في إسبانيا أيضا حمام رندا بمدينة رندا التابعة لملقا، وتم بناؤه في العصر الثالث عشر، وحمامات منطقة إلشي، وحمامات جزيرة بالما دي مايوركا، فضلاً عن حمامات مدينة ثيوتا، والتي تم بناؤها في العصر الحادي عشر، ثم تمت إعادة بنائها في العصر الرابع عشر.

ولم تكن الحمامات فقط للاستحمام، بل أيضا للوضوء والغسل والعلاقات الاجتماعية كما هو الحال في روما، وكان يمنع منعاً باتاً وجود حمامات مختلطة، حيث كانت هناك أيام معينة للنساء وأخرى للرجال.

كان الحمام يتكون من صالة لتبديل الملابس، مبنية بشكل هندسي رائع لدخول النور إليها إضافة إلى الإنارات الليلية، تليها صالة السونا لكي ترتفع حراراة الجسم وتنشط الدورة الدموية فيه قبل الدخول إلى «البانيو» الأساسي، والذي يتكون من ثلاث صالات للماء البارد والدافئ والحار، حيث كانت تستخدم غلايات للماء على شكل قدور كبيرة الحجم، ومن ثم التدليك والتمشيط، وكان للنساء مكان لوضع المساحيق التجميلية.

ولم يقتصر الحمام العربي بالأندلس على المسلمين فقط، بل كان هناك مكان لتجمع المسيحيين واليهود أيضاً، حيث كان التعايش السلمي واحداً من أبرز مظاهر التمدن والحضارة في تلك المنطقة.

يقول شاعر الأندلس الفصيح ابن الخطيب:

جــادك الغيــث إِذا الغيـث همـى

يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ

لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا

فــي الكــرى أَو خلسـة المخـتَلِسِ

ودمتم بعشق أندلسي لا ينتهي...