لستُ في مقام استعادة الصور القاتمة التي لوّثت وماتزال تلوث الأجواء السياسية والنفسية في الآونة الأخيرة، وفي مجتمع طالما ألِف مساحة من الأمن والأمان في نفسه ورزقه وحقوقه وحرياته مثل الكويت. فأتت جريمة تفجير مسجد يُذكر فيه اسم الله، وكارثة اكتشاف ترسانة الأسلحة المخبأة لتهزّا سقف الأمان الذي طالما استظلّ به الكويتيون بشتى أطيافهم. ثم تبع ذلك ما هو أدهى وأدعى للقلق، وهو الاشتغال على إشعال الفتن هنا وهناك، مثل نيران صغيرة ولئيمة يغذيها رهط من السفهاء والجهال حتى أوشكت أن تتحول إلى حرائق.

Ad

 بيد أن الاشتغال على الفتن –ولله الحمد– سرعان ما خفت وهجه، حين راجت في وسائل التواصل الإلكتروني الدعوة إلى مقاطعة سمك الزبيدي – خلال شهر أغسطس الفائت- كلون من الاحتجاج على أسعاره المرتفعة. وهذه الانعطافة في مزاج الشعب الكويتي من متابعة بضائع الفتنة المنتنة إلى الالتفاف حول هموم العيش اليومي، فيه إشارة إيجابية وطريفة ولا شك.

 ولكن القلق إزاء مسألة الأمن الوطني لا يقف عند هذه الأحداث فقط، وإنما يشمل كل ما يمسّ الأمن البيئي وأمن المنشآت الخَدَمية والبنية التحتية، وكلها مؤسسات مادية واعتبارية ترتبط بحياة المواطن ومعاشه وتستدعي الفخر تماماً كما تستدعي التوجّس. وحماية هذه المؤسسات في مبناها ومعناها من الشائعات المغرضة والتآمر والتلفيق يُعدّ من أساسيات الأمن الوطني. فقد نشرت إحدى شركات المقاولات الكبرى والعريقة منذ فترة بياناً في الصحف اليومية، تستنكر فيه ما يُشاع ويُتناقل حول مشروع استاد جابر الرياضي، وكونه مشروعاً تشوبه الأخطاء الإنشائية والتنفيذية. وقد تم التوضيح في البيان بأن المشروع تم تنفيذه وبناؤه وتسليمه بأعلى درجات الإتقان، وإنه مستوفٍ لكل الشروط ومعايير الجودة والسلامة الدولية. ثم يؤكد البيان المنشور أن تلك الشائعات المغرضة ليس لها أساس من الصحة، وأنه يتم ترويجها "لتضليل الجمهور لأهداف وغايات باتت مكشوفة"!

 ثم في اليوم التالي مباشرة تنشر شركة مقاولات عالمية أخرى بياناً مشابهاً لا يختلف في فحواه ومضمونه إلا بالمشروع قيد الإنشاء، وهو مبنى الركاب الجديد في مطار الكويت. وبعد أن عرّفتْ الشركة بنفسها وبمشاريعها الضخمة عبر العالم، يبدأ البيان بالتنويه إلى داء الإشاعات المغرضة وغير النزيهة التي مسّتها قائلاً: "لقد تابعنا باستغراب واستياء كبيرين ما يتم تداوله مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي الكويتية من أخبار ليس لها أساس من الصحة عن شركتنا. وتهدف مزاعم الحملة الحالية إلى التأثير على عملية تنفيذ مبنى الركاب الجديد في مطار الكويت الدولي عن طريق التشهير بسمعة الشركة. ونود التأكيد على أن هذه الادعاءات غير صحيحة وإنه لم يوجه للشركة أي اتهام أو يُجرى أي تحقيق معها، وإنها تمارس نشاطها بشكل طبيعي وقانوني ورسمي".

 لا يملك المواطن البسيط إزاء هذه الحروب الغامضة والعبثية إلا أن يتساءل ويلحّ بالسؤال عما يجري! وإذا كانت مشاريع بهذه الضخامة وشركات ذوات سمعة عالمية تقع ضحية في شرك الدسائس والإشاعات، فما بالك بما دون ذلك؟! فقد بتنا نطالع كل يوم – وعبر ذات الوسائل - طعناً في بضاعةٍ ما أو تحذيراً من منتج أو سلعة، ناهيك عما يُنشر من أكاذيب وفبركات عن المحلات والصالونات والمطاعم. وأنت في وسط هذه الزوابع الصفراء مجرد مواطن بسيط لا تدري ماذا يدور، ولمَ تحاك تلك المؤامرة على أمنك البيئي والغذائي والنفسي؟ بل على حاجاتك الأساسية من خدمات وبنية تحتية ومشاريع ماتزال قيد التسويف وقيد الطبخ على نار الصراعات والحروب القميئة؟  

  لا أدري كم سيطول انتظار مبنى المطار الجديد؟ وكم سيطول الانتظار لافتتاح استاد جابر الرياضي رسمياً دون غصص وعلل؟ ومتى سينتهي مبنى الجامعة في الشدادية؟ وجسر طريق الجهراء؟ وجسر الصبية؟ وقطار المترو؟ و ... و ...؟ مادامت الصراعات والمؤامرات شغّالة تحت الطاولة وفوقها، ومادامت أولويات الدولة الناجحة وما توفره لمواطنيها من طمأنينة وثقة بالمستقبل غائبة وغامضة!

 وعليه المسألة ليست مشكلة مقاول أو سرقة أو فساد فقط، وإنما هي مسألة عويصة تخص الأمن الوطني الذي لم يعد أمناً، ودولة غير قادرة على توفيره، ومواطناً لم يعد يمتلك الحدّ الأدنى من الطمأنينة.