لو أن مسجد القديح أو مسجد الصوابر كانا في سلطنة عمان بدلاً من السعودية والكويت، ماذا كان سيحدث لو طاولتهما يد الإرهاب السوداء؟!

Ad

لو أن مثل هذه الجريمة حدثت، لا قدّر الله، في أحد مساجد سلطنة عمان، لما وضع عماني واحد يده على قلبه ولو لوهلة، مخافة انشقاق طائفي نتيجة تلك الجريمة، لأن المسجد هناك يرتاده المصلّون من مختلف الطوائف، بغض النظر عن هوية المسجد ذاته، وحينها سيكون تصنيف الضحايا إما أنهم عمانيون أو غير عمانيين، ولن يتم فرزهم على أنهم من الطائفة الأباظية أو سنّة أو شيعة، الضحايا سيكونون خليطاً من هذه الطوائف جميعاً، وستتناقل نشرات الأخبار خبر استشهاد عدد من المصلين في مسجد بسلطنة عمان في حادث إرهابي، وربما ستذكر التفاصيل إن هي أسهبت عن عدد الضحايا من المواطنين، وعدد الضحايا من الجنسيات الأخرى، بمعنى آخر أن هذه الجريمة النكراء لو حدثت، لا سمح الله، في أحد مساجد سلطنة عمان لما أمكن بأيّ حال من الأحوال تكييفها على أنها جريمة طائفية، بل جريمة وطنيّة بامتياز، جريمة سيقف الشعب بجميع طوائفه الدينية ضدّها، لأنه في عمان، فقط دوناً عن كل بلدان الخليج العربي، لا يوجد هذا الإنشقاق الديني الذي ذكره الكاتب والمفكر اللبناني دكتور رضوان السيد في أحد حواراته التلفزيونية.

في سلطنة عمان فقط هذه السماحة الدينية الرحبة هي التي تجعلك تجد في الأسرة الصغيرة خليطاً من المذاهب الإسلامية، بيئة كهذه لا يمكن أن تكون مناخاً صالحاً لحياة التطرف المذهبي، ولا يمكن أن تكون تربة خصبة لا لفكر "داعش" أو فكر الحشد الشعبي، هذه السماحة الدينية هي الحصانة الوحيدة لاستقرار مجتمعات تتنوع فيها المذاهب، وتختلف تفسيراتها الدينية ورؤاها حتى في المذهب الواحد، بغير هذه السماحة الدينية التي تكفل حقوق المذاهب والطوائف الدينية المختلفة، بحيث ينظّم القانون العلاقة بينها تحت سقف سلطة واحدة هي سلطة الدولة التي تقف على مسافة واحدة مع أتباع هذه المذاهب جميعاً وبنفس القدر من المواطنة لضمان استقرار الوطن وأمنه، بغير هذه الرؤية ستبقى أوطاننا إلى ما شاء الله مهددة بالاقتلاع من جذورها نتيجة الاحتراب الداخلي والاقتتال، والمزايدات في بازار الدين، هذا البازار الذي لم يقتصر فقط على رجال الدين وأتباعهم، بل كثيراً ما دخلت معهم السلطات على الخط نفسه في هذا البازار المفتوح، الذي يزايد تحت سقفه المتطرفون من جهة، والسلطة ومن تبعهم من رجال دين من جهة أخرى، والحقيقة أنه مهما ارتفعت السلطات بسقف مزايدتها الدينية فسيظل سقف المتطرّفين أعلى بكثير مدعوماً بالنصوص الدينية التي أُحسن تأويلها لمصلحة رؤيتهم، هذه المزايدات بين الطرفين لم تجدِ نفعا طوال عقود من السنين الماضية، بل هي من أدخلت أوطاننا هذا النفق المظلم، وها نحن نجني اليوم ما غرسناه في الأمس دماراً يهدّد حياتنا.

أما آن لنا أن نحلم بأوطان سمحة معاصرة خارج إطار هذه البازارات الدينية التي حصدت الآلاف من أرواح البشر، وحبستنا في قاع التخلف مئات السنين، وحرمت مجتمعاتنا من التقدّم أو مجرد الحياة الآمنة!

أما آن لدولنا أن تخرج من هذا البازار لنسلم على أوطاننا؟!