أتحفتنا جريدة "الجريدة" بمقال رائع للأخ الفاضل علي البداح يحمل فكرة في منتهى الجمال، ولها كثير من المزايا وهي الدعوة إلى صلاة المسلمين، سنّةً وشيعةً، في مسجد واحد... فكرة نحن في أمسّ الحاجة إليها لليوم وللحاضر والمستقبل.

Ad

غير أن أسوأ ما تتعرض له مثل هذه الأفكار المفيدة، حتى من المتعاطفين معها، ألا تجد مَن يثيرها ويضع لها آلية واضحة تتدرج بها من مرحلة العرض إلى مرحلة النقاش الموسع الهادئ، إلى التحليل والعرض واختيار الحلول ووضعها جاهزة لمتخذ القرار للتنفيذ، وهذا ينطبق على قضايا كثيرة، بما فيها حماية البيئة أو ذوي الإعاقة والقضايا الاجتماعية الأخرى.

أفكار تطرح وتقرأ ثم تنسى، وهذا لا شك وضع غير طبيعي، ولا يؤدي إلى تطور مجتمعات فيها مؤسسات وجمعيات نفع عام وصروح أكاديمية، فالوضع الطبيعي أن تتلقف المجتمعات الحية ما يفيدها وتخترع له من الأسباب التي تنهض به، وهي مسؤولية مشتركة بين هذه المؤسسات والأفراد، تختلف كل مرة باختلاف الموضوع وتخصصه.

عودة إلى موضوعنا الجميل الذي يساعد على الالتفاف حوله وتطبيقه ديننا الواحد وصلاتنا الواحدة وكتابنا الواحد، وهو اجتماعنا للصلاة سنّة وشيعة في مسجد واحد، فهل من المعقول أن تجمعنا هواية صيد السمك، سنّة وشيعة، أو حتى من ديانة أخرى في قارب واحد، وكل واحد يفدي أخاه عند الخطر، وأن تجمعنا لعبة الورق بديوانية واحدة نلهو ونضحك من القلب، ولا يجمعنا "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" في مسجد واحد؟!

لن نسترسل في أهمية تكاتفنا بكل السبل والأماكن والأوقات، فعقولنا وحاضرنا تجاوزا ذلك، إذ أصبح التكاتف والتماسك ضرورة قصوى لكل المجتمعات لتجنب خطورة التفرق، ولننتقل الآن إلى الخطوة الأكثر أهمية في الموضوع، وهي آلية التنفيذ حتى لا تهمل الدعوة وتنسى ولا نستفيد منها، آلية يجب أن تبدأ برأي ومسؤولية جماعية.

 كيف وأين ومن سيبدأ بتنفيذ الدعوة الراقية لعلي البداح؟ نحتاج أن نعرف رأي المفتين الوسطيين من كلا المذهبين بما يجب الالتزام به بمثل هذا المسجد واستبعاد ما يثير أي حساسية، نحتاج معرفة رأي جمعيات النفع العام ذات العلاقة، ورأي الكتّاب، ورأي وتوجه رجل الشارع العادي وتوجيهه، مع رأي أكاديمي نفسي وتربوي إن لزم الأمر، في اختيار مسجد أو أكثر، وهل يؤم المصلين كل يوم أو أسبوع إمام من كل فئة... وغيرها من خواطر تضمن التطبيق العلمي السليم وترتقي بالفكرة... والأهم معرفة ما لا نعرفه عن طريقة تفكير الناس وتوجيهها، وهذا لا يتأتى إلا بالدراسة المشتركة التي يساهم بها ذوو الاهتمام.

أرجو أن تجد هذه الدعوة حقها بالنقاش العلمي، وهذا الرجاء نتمناه أيضاً لأي قضية أو فكرة أو دعوة مفيدة، والشكر لكل جريدة تفتح نافذة للحوار وتجميع الآراء للخروج برأي واضح يساعد في التنفيذ، فما أكثر الأفكار النافعة ببلدي الكويت، وما أكثر التطبيقات في الدول الأخرى.

حسبة أخيرة لهذه الدعوة الراقية، فإنها إذا طبقت وانتشرت فستكون صورة راقية للمجتمع الكويتي تجسد بشكل مستمر يومي التكاتف الذي حصل بين الكويتيين بعد التفجير الذي راح نتيجته أبرياء يصلون في مسجد الله، وإن لم يقتنع بها من لا يريد أن يقتنع فستظل قناعته أمراً شخصياً ليس من حقه عكسه وفرضه على الآخرين.

كم أنت جميل يا بلدي، ونحن نرى نظرات إعجاب الآخرين بك وبرقيك في كل الميادين، وأن تكون خلاقا ومنفذا لأفكار راقية وسباقة... وسأكون سعيداً بالصلاة في مسجد كهذا مع الذين سمعتهم يؤيدون هذه الدعوة بنية صادقة سليمة، فــ"إنما الأعمال بالنيات".