أحدث رجل الأعمال "بيل غيتس" وزوجته "ميليندا" تحولاً نوعياً في مجال العطاء ودنيا الكرم، وفتحا صفحة جديدة في تاريخ التبرع وإقامة المؤسسات الخيرية والاهتمامات الإنسانية العابرة للقارات والثقافات والديانات والجنسيات، وذلك عندما فاجآ العالم بالتبرع بجلّ ثروته، وهي بالمليارات، لمشاريع خيرية تدخل السعادة والرفاهية في حياة مختلف الشعوب، وتصل إلى كل إنسان أينما كان.

Ad

 لا نفرق في استخدامنا اللغوي المعتاد كثيراً، بين "الكرم" و"حسن الضيافة" مثلاً، وهما بالطبع، كما برهن المتبرع الكبير "بيل غيتس" وآخرون، شيئان مختلفان! والحقيقة أن غيتس لم يتوقف عند الحدود المتوقعة للتبرعات الخيرية، ولا التفت إلى إثراء أهله وأقاربه ودفنهم بالأرصدة والأصفار، وكان باستطاعته أن يكتفي بالتبرع بعشرة مليارات من الدولارات أو عشرين أو ثلاثين وينال الثناء والتقدير نفسهما، لكنه تجاوز كل هذه المبالغ والمليارات دون تردد أو تمنن.

كثيرا ما نتجادل في "قيم الغربيين"، ونطالب بعدم اقتباس إلا ما هو جيد ومفيد من عادات أهل أوروبا وأميركا، ونقل الجيد والمحمود منها إلى بلادنا وثقافتنا، وتطعيم عاداتنا وسلوك مجتمعاتنا بها.

منذ فترة تتنامى في أميركا خاصة عادة حميدة ومبادرات مفيدة، تنسجم مع القيم العربية والإسلامية قبل الإسلام وبعده، بحاجة إلى أن نهتم بها ونتبناها ونجلبها إلى مجتمعاتنا، وبخاصة أنها عظيمة المنفعة كبيرة الفائدة، تسعد الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء، وتفرج عن المساكين والبؤساء، فما إن تبلغ ثروة بعض كبار الأغنياء في أميركا الملايين والمليارات، بعد جهد جهيد وتركيز الجهد والتخطيط، حتى يقرر التخلي عن نصفها أو معظمها أو ربما كلها تقريبا للعمل الخيري!

الأميركيون والغربيون في ثقافتنا واتهاماتنا التي لا تنتهي يمثلون المادية والأنانية والجشع وغياب القيم الروحية وعدم الاهتمام بالجيران واللا مبالاة بالفقراء والنائمين على الأرصفة وغير ذلك، ونفاجأ بمثل هذا الكرم الخيالي الذي لا يُبقي ولا يذر، ويغرق مؤسساتهم وجمعياتهم الخيرية بقدرات مالية لا يستطيع أحد منافستها، ويقفز ببحوث العلم والطب والاختراع إلى آفاق لا يستطيع أحد تصورها.

عام 1994 مثلاً، أنشأ مؤسس "مايكروسوفت" وزوجته "ميليندا وبيل غيتس" مؤسسة باسمهما للأعمال الخيرية، كما أنهما أسسا "تعهد العطاء" بمبادرة شخصية بالاشتراك مع الملياردير "وارين بوفيه" بهدف تشجيع أغنياء العالم على التبرع للقضايا الإنسانية. وجرى التأكيد على أنه بالرغم من أن ثروة الزوجين تقدر بتسعة وسبعين مليار دولار، فإن أطفالهما الثلاثة لن يحصلوا من هذه الثروة إلا على عشرة ملايين دولار لكل منهم، أما الباقي فللأعمال الخيرية.

وبالطبع، لم يخص بيل غيتس وزوجته الأميركيين أو المسيحيين أو البيض أو أهالي كاليفورنيا بهذا "العون الخيري"،  ولا طالبا بإطلاق اسميهما على أي كنيسة أو كاتدرائية! وفي أوائل الشهر الحالي، كما جاء في القبس 3/ 12/ 2015، أعلن "مارك زوكبيرغ" الرئيس التنفيذي لشركة "فيسبوك" وزوجته بريسيلا السير على درب بيل غيتس وميليندا واتباع سنتهما، وأنهما يعتزمان التنازل عن 99% من ثروتهما في أسهم فيسبوك والتي تقدر قيمتها حاليا بنحو 45 مليار دولار لمصلحة مؤسسة خيرية جديدة، وجاء هذا الإعلان في رسالة لابنتهما "ماكس" التي ولدت الأسبوع الماضي، كما جاء في الصحيفة، وذلك بهدف "تحسين الإمكانات البشرية وتعزيز المساواة"، والحقيقة أن قائمة المتبرعين من أثرياء أميركا ممن قرروا التخلي عن ثرواتهم لأهداف خيرية إنسانية، تحفل بالأسماء والملايين والمليارات، ومن المتبرعين برانسون وزوجته جوان والذي تقدر ثروته بنحو خمسة مليارات، "للمساعدة في حل المشاكل التي يواجهها العالم، مثل الاحتباس الحراري وانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون والمشاكل الناجمة عن الحروب والنزاعات المسلحة".

وكانت "سارة" وهي مؤسسة وصاحبة شركة عملاقة لصناعة الملبوسات أول امرأة تنضم لتعهد العطاء، وتقدر ثروتها بمليار ومئة مليون دولار، وتعهدت "بالعمل على تمكين النساء من إثبات وجودهن في ميدان العمل، وأنشأت من أجل ذلك مؤسسة لتمويل المشروعات الهادفة لتعليم النساء". (القبس، 5/ 12/ 2015).

وجاء في التقرير نفسه أن الملياردير "جورج سوروس" قد قدم حتى الآن أحد عشر مليارا للأعمال الخيرية، نحو 40% من ثروته المقدرة بأربعة وعشرين ملياراً وخمسمئة مليون دولار، وكان الرجل قد أنشأ عام 1979 صندوقا لنشر التعليم في جنوب إفريقيا قبل انهيار النظام العنصري فيها.

وتقدر ثروة مؤسس "أوراكل" للكمبيوتر بخمسين مليار دولار، وهو عضو مؤسس في "تعهد العطاء لتشجيع أغنياء العالم على التبرع للأعمال الخيرية والإنسانية ولمساعدة الفقراء من أجل عالم أفضل"، وقد قرر مؤسس الشركة "لاري إليسون" التبرع بخمسة وتسعين في المئة من ثروته، بالإضافة إلى أنه تبرع حتى الآن بمئات الملايين للأبحاث الطبية والتعليم.

 ومن المؤسسات الأميركية المعروفة في مجال بيع مواد البناء في كل مدينة وولاية محلات "هوم ديبو"، فهي أكبر شبكة عملاقة في هذا المجال، وقد أوضح مؤسسها "برنارد ماركوس"، أن من مصلحة أبنائه "ألا يرثوا ثروته المقدرة بعشرات المليارات من الدولارات، وأن معظم ثروته ستكون من نصيب الأعمال الخيرية ولنشر التعليم"، كما أنشأ الرجل مؤسسة خيرية تعنى بتعليم ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة.

وكان "تشاك فيني" من أوائل المبادرين في هذا الميدان قبل كل من ذكرناهم! فقد حقق هذا الرجل، يقول تقرير "القبس" الذي أعده الزميل فؤاد سلامة، ثروة مذهلة في وقت قياسي بإنشائه سلسلة محلات "السوق الحرة" في العديد من مطارات العالم، وفي ثمانينيات القرن الماضي حوّل كامل ثروته التي قدرت بالمليارات لمؤسسة خيرية أنشأها، واشتهر "تشاك فيني" بتصريح قال فيه "إنه يريد تعليم أطفاله قيمة المال، وذلك بإجبارهم على العمل أثناء العطلات المدرسية، بالإضافة للعمل أثناء الدراسة الجامعية أيضا". (القبس 5/ 12/ 2015).

هناك جواب جاهز في ثقافتنا وتقاليدنا، عند الحديث عن تبرعات الأميركيين وكرمهم ومبادراتهم، إذ يعتبر الكثير منا هذه التبرعات "مجرد تهرب من الضرائب"، ولا يكترث الواحد منهم بما نفعل نحن!

ومن العبث بالطبع مناقشة هؤلاء، ولعل أفضل جواب أن يقال لهم: لماذا لا تنتشر هذه الظاهرة بين أثرياء العالمين العربي والإسلامي والشركات الكبرى فيهما، وبخاصة أن "الكرم عريق"، و"القيم الروحية طاغية على المادية والأنانية الفردية"، و"الحسنة بعشرة أمثالها" و"الشخص يهتم بسابع جار"؟ كما أنه لا أحد في العالمين العربي والإسلامي يتهرب من الضرائب!!

 لا يفسر "الهروب من الضريبة" الأمر، عندما يتخلى الملياردير عن 90 أو 99% من ثروته فلا شك أن لدى هؤلاء شعورا أرقى وأكثر سموا بدورهم وبقدرة الإنسان عموما على تحسين ظروف الحياة في العالم، وبواجب المقتدرين في التصدي للفقر والمرض والجوع، بينما لا نعتقد في ثقافتنا إمكانية ذلك ولا نعده من واجباتنا، إن لم نعتبر كل هذه الشرور جزءا طبيعيا من الوجود!

ولا يطالب أحد من المقتدرين في العالمين العربي والإسلامي بالتخلي عن 99% من ثرواتهم بالطبع، وتقدر الثروات العائلية في منطقة الخليج العربي وحده خلال العامين المقبلين 2016/ 2017، بأكثر من سبعة تريليونات دولار! ولو جرى التنسيق بين هذه الأسر والشركات وبين الحكومات في مجال العمل الخيري لقامت في المنطقة العربية مؤسسات مالية جبارة تتمتع بالرؤية الإنسانية العصرية والاستقلال عن مفاهيم ومخططات الإسلام السياسي وجماعاته، ومعالجة الأوضاع من جذورها.

لقد ارتقت مؤسسات ومفاهيم العمل الخيري في الكويت ودول مجلس التعاون ومناطق عربية أخرى ولا شك كمّا وكيفاً، واتسعت رؤاها اليوم عن العقود السابقة، وثمة تماثل اليوم بين المؤسسات الخيرية الأميركية والغربية عموماً والكويت في سعيها الى تقديم العون الإنساني وترسيخ الجهود الإغاثية لكل المحتاجين في دول العالم بغض النظر عن معايير الجغرافيا والدين والعرق، كما صار للمساعدات الكويتية والإماراتية والسعودية وجود ملموس في الكثير من المناطق المنكوبة، وقد أشاد "بيل غيتس"، خلال زيارته الحالية للكويت، ومنحه من سمو الأمير وسام الكويت من الدرجة الأولى تقديرا لجهوده الكبيرة، بالدور الإغاثي والإنساني للكويت في مساعدة المحتاجين والمنكوبين في كل قارات العالم، مشيرا إلى اختيار سموه من الأمم المتحدة "قائدا للعمل الإنساني"، واختيار الكويت مركزاً للعمل الإنساني.

 إن للجمعيات والتبرعات والتجار والمقتدرين في دعم مختلف الاحتياجات والخدمات عبر تاريخ الكويت مكانة معروفة، والمطلوب اليوم قفزة نوعية كبرى بعد تنسيق من شركات الكويت وربما كذلك مع المتبرعين والحكومات في دول مجلس التعاون، حتى لو كانت التبرعات ثلث السبعة تريليونات... والثلث كثير!

لقد تشرفنا جميعاً بزيارة السيد بيل غيتس لدولة الكويت، وسعدنا بهذا الاستقبال الحافل له ومنحه وسام الكويت، فاسم هذا الرجل وزوجته ومؤسسته الخيرية ستزين تاريخ العمل الخيري والإنساني إلى الأبد.