فتحت عينيّ مرتعبة من صوت الهاتف الذي كان يرن فوق رأسي!

تلفت حولي ووجدت أنني قد نمت في الصالة.

Ad

جاءت والدتي مسرعة من المطبخ مرتدية مريلة الطبخ وبيدها ملعقة التحريك الخشبية، رفعت سماعة الهاتف:

مرحباً.. من يتحدث؟

نعم!.. أنا السيدة هيفاء!!

آه ميرا أهلاً بك.. بخير وأنت كيف حالك؟

صحيح؟! عظيييم!

شكراً لك ميرا.. كلي شوق لرؤية المكان.

لن نتأخر إن شاء الله.. سأكون في بيروت مع ابنتي كادي الأحد المقبل. أبلغيهم أنه سيكون لنا لقاء تعريفي بعد حفل الافتتاح مساء الأحد.

أتمنى أن تهتمي بذلك ميرا.. لا أعرف سواك هناك.. أثق بك جداً..

شكراً لك.. مع السلامة.

أنهت والدتي المكالمة، وكانت علامة استفهام كبيرة تعلو محياي!!

انهلت عليها بوابل من الأسئلة قبل أن تعيد سماعة الهاتف إلى مكانها.

{أمي من هي ميرا؟ ولماذا سنسافر إلى بيروت؟ كيف سنذهب الأحد المقبل؟ أنا لم أستعد بعد؟

حفل ماذا الذي تتحدثين عنه؟}.

ابتسمت أمي ابتسامة باردة هادئة وقالت بسكينة:

{أولاً صباح الخير. آمل أنك قد نمتِ جيداً؟

رأيتك متعبة جداً ولم أشأ إيقاظك لذلك أحضرت لك غطاءً وتركتك نائمة في الصالة.

ثانياً: انهضي الآن، واغسلي وجهك وغيّري ملابسك ثم تعالي لنتناول الفطور سوياً ونتحدث، وسأجيب عن كل أسئلتك».

صمتُّ للحظة ثم قلت: {حسناً.. يبدو لي أن للموضوع قصة طويلة».

أزحت الغطاء عن جسمي بكسل، وبالكاد انتشلت نفسي من الأريكة، وذهبت لأرتب نفسي وسط حيرة وذهول.

أصبحت لا أعرف والدتي فقد أصبحت تتصرف بطريقة مثيرة! مؤخراً تطلقت من والدي الذي كان وحشاً كاسراً ذا شخصية دكتاتورية، فقد كان يتحكم في كل أمورها ويفرض رأيه عليها قسراً ضارباً بكيانها وشخصيتها عرض الحائط. وقد ساعدته على ذلك من خلال انصياعها لكل ما يقول من دون جدال أو اعتراض. تطلقت منه بعد أن اكتشفت زواجه السري بخادمة سابقة كانت تعمل لدينا وقد أنجبت له ولدين. عندها انفجر بركان الصبر، وكشرت أمي عن أنيابها، وكشفت عن وجهها الآخر، وغضبت كثيراً، وطلبت الطلاق.

لم تحزن كثيراً على انفصالها بل على العكس شعرت وكأنها كانت تنتظر هذه الفرصة لتفارقه. أما هو، ذلك الوحش الكاسر الجبار الذي لا تُردّ له كلمة ولا يُعصى له أمر فقد طلقها على الفور وبكل سلام وهدوء. وأعاد لها كل أموالها التي كانت قد ورثتها من والدها.

استقرت الأمور بسرعة، واعتدنا على وضعنا الجديدة شبه الخالي من والدي. فنحن بالأساس لم نكن نشعر بوجوده كثيراً فهو كثير السفر والعمل، وما إن يعود إلى المنزل حتى يبدأ بالشجار مع والدتي على أسباب تافهة قبل أن يغادر مجدّداً.

لذلك منذ أن تطلقت منه صارت امرأة أخرى لا أعرفها، وكأنها كانت عصفوراً في قفص، وقد أطلق سراحه بعد سنوات من الأسر. فقد كانت تفعل كل شيء؛ تخطط وتتواصل وتخرج. وكأنها بدأت فعلاً تعيش حياتها المؤجلة التي ركنتها جانباً بعد زواجها.

سكبت ماءً بارداً على وجهي ورحت أطالع ملامحي في المرآة. شعرت أني أكبر عاماً كل يوم! إنني لا أستطيع استيعاب هذه الأحداث المتسارعة، هل أنا أحلم؟ ماذا يخبئ الغد يا تُرى؟

لملمت شعري، ثم فتحت دولاب ملابسي واخترت تيشيرت كُتب عليه عبارة «Everything will be fine» آمل أن يكون كل شيء بخير فعلاً.

نزلت إلى حيث والدتي، وإذا بها أعدت سفرة جميلة وشهية، استقبلتني بابتسامة واحتضنتني قبل أن تسحب لي الكرسي لأجلس!

جلست بصمت وذهول، لا أعي ما يكمن وراء كل هذه العناية والرعاية. سكبت أمي في كأسي شاياً، ووضعت فيه ورقتي نعناع فعبقت رائحة جميلة تسلّلت إلى عقلي وأسكنت ضجيجه.

التقطتُ قطعة خبز ساخنة، وبدأت آكل وأنا أنظر إلى والدتي نظرة تساؤل: ماذا هناك؟ ألن تخبرينني الآن؟!

ارتشفت أمي رشفة من الشاي، ثم تنهدت وهي تبتسم، وكأنها تخبئ حملاً ثقيلاً. ثم سألتني: {لم تخبريني، كيف كانت الحفلة أمس؟ هل استمتعتِ بوقتك مع صديقاتك؟».

أجبتها بسرعة كي ندخل إلى موضوعنا الرئيس: {الحمد لله، سار كل شيء على ما يرام واستمتعت. أمي أيمكنك أن تخبريني الآن لماذا سنسافر إلى بيروت بعد ستة أيام؟ ومن سيرافقنا؟».

تغيرت ملامح أمي فجأة، وأخفضت لقمة كانت ستضعها في فمها ثم قالت: {لماذا كل هذا الاستنفار والذهول يا كادي؟ وكأنك ستسافرين للمرة الأولى؟! برأيك لماذا يذهب الناس إلى بيروت؟ لا تكوني عبأً عليّ كوالدك، سأسافر وإياك لثلاثة أسابيع نتجول في بيروت ونتسوّق ونزيح همومنا ونعود بعدها. ألم نقمْ بذلك مع والدك سابقاً قبل أن يتزوج من تلك الخادمة اللعينة؟».

أجبتها متعجبة مما تقول: {بلى، كنا نقوم بذلك. لكن كنا نسافر مع والدي ولا نقوم بذلك وحدنا، وكنا نخطط للسفر قبل رحلتنا بشهور. كنا نسافر في الإجازات فقط».

قاطعتني وهي تعتدل في جلستها ويبدو أن ترددها زال، واستعادت ثقتها بنفسها مجدداً قائلة: {حسناً يا جميلتي هذه المرة سنقوم بذلك وحدنا، فلسنا بحاجة إلى والدك أبداً! لدينا مال وفير ننفق منه على شؤوننا، ولسنا طفلين كي يكون والدك وصياً علينا كعادته، ولا تنسي أن والدتي لبنانية ولي أقرباء هناك، ولا داعي لأن ننتظر الإجازة فأنا لست مرتبطة بعمل، وأنت أنهيت الثانوية ولم تكملي دراستك، كما تعلمين كلانا عاطلتان، وأعتذر عن إخبارك متأخرة. لكن أعدك أنني لن أكرر الأمر في سفرة أخرى، بل سأجعلك من تقومين بكل شيء وتخططين لكل شيء. أي استفسار آخر عزيزتي؟».

لم أجبها.. صمتُّ ولجمت حيرتي التي لم تزل بعد.

عندها تابعت والدتي قائلة: {لا تقلقي بشأن الحقائب. خذي أشياءك الأساسية فقط وإذا لزمك شيء نشتريه من هناك. كادي أرجوك افتحي قلبك، أحبي الحياة، فأنتِ لا تزالين صغيرة. عيشي يومك، واستمتعي ولا تحسبي خطواتك كعجوز. لا تترددي فأنا معك، لا أريد أن يؤثر غياب والدك عليك. أساساً هو لم يكن سوى غيمة سوداء وانجلت عن حياتنا. أرجوك».

أجبتها بهدوء: {حسناً}. دفعت نفسي إلى الخلف ووقفت.

أمسكت بيدي وقالت: {إلى أين؟ لم تتناولي شيئاً؟».

اصطنعت ابتسامة لأجلها وقلت: {سأذهب لأوضّب حقائبي».

سحبتني إليها وقالت: {تعالي احضنيني قبل ذلك».

ارتميت في حضنها وساورني شعور غريب. خفت عليها من نفسها، وفي الوقت عينه لم أكن أريد أن أحجبها عن حياتها التي حُرمت منها مع والدي، قررت ألاّ أكون عبأً عليها وأن أكون معها حيثما تشاء.

هُنا بيروت!

في 6/4/2006 الساعة التاسعة مساءً حطت طائرتنا في مطار بيروت – مطار رفيق الحريري الدولي.

كنت سعيدة جداً، سعيدة وأنا أرى ابتسامة أمي النابعة من قلبها. كانت مبتهجة جداً تختلق الحكايا وتتحدث بعشوائية كطفلة تحلق بالطائرة وترى الغيوم بجانبها للمرة الأولى. شعرت بقلبها يتراقص؛ لم تغفُ عيناها أبداً طوال رحلتنا. وما إن أعلن قبطان الطائرة عن الهبوط حتى كانت أول الواقفين استعداداً للنزول. نظرت إليها باستغراب وكنت سعيدة جداً لأجلها. عندما نزلنا من الطائرة، كانت تلتفت كثيراً وتبتسم في وجوه المارة من حولها. رفعت رأسها واستنشقت الهواء ملء رئتيها ثم نفثته ببطء وقالت: {آه ما أجمل رائحة بيروت وما ألذ هواءها».

دخلنا المطار فأخذت أمي تلتفت يميناً وشمالاً وكأنها تبحث عن أحد ما.

سألتها بتعجب: {أمي، هل تبحثين عن شخص ما؟».

فأجابتني وهي لا تزال تلتفت في كل الأنحاء: {نعم».

ثم صرخت فجأة: {آه، ها هي ميرا».

أشارت إليها ثم رفعت يديها ملوِّحة لها: {ميرا.. ها نحن هنا».

التفت إلينا ميرا التي بدت إنسانة لطيفة، كانت شابة في العقد الثاني من عمرها، بيضاء ذات شعر غجري ناعم قصير وجسم نحيف ووجه ضاحك ومشرق. ما إن رأتنا، حتى أسرعت إلينا وفتحت ذراعيها، احتضنت أمي ثم احتضنتني وكأنها تعرفنا منذ زمن. ثم قالت لوالدتي: {والله برافو عليك يا ست هيفاء، عرفتيني ع طول مع إنو أمس قاصة شعراتي وعامله لوك جديد».

ضحكت والدتي ثم قالت: {ولو.. طول الطريق كنت أطالع بصورتك عشان أثبت الملامح».

نظرت إليهما بذهول، ثم سألت أمي: {من أين تعرفينها؟».

ضحكت أمي وميرا، ثم أخبرتاني أنهما تعرفتا إحداهما إلى الأخرى عبر الفيسبوك منذ مدة.

اصطحبتنا ميرا إلى السيارة التي ستقلنا إلى السكن الخاص بنا. ما إن ركبنا حتى أخذت تتحدث هي ووالدتي كثيراً، فهمت بعضاً من الحديث وخفي عني أغلبه. كانتا تتحدثان عن مشاريع وأرباح ومنافسين. لم أشأ أن أحشر أنفي في ما لا يعنيني، لذلك التزمت الصمت، وأطبقت شفتيّ واكتفيت بإخراج رأسي من النافذة، واستنشاق الهواء، وأخذت أتأمل معالم بيروت وبيوتها ووجوه أهلها.

أخيراً، وصلنا إلى مقر إقامتنا. لم يبدُ فندقاً، فلم يكن هناك لوحة باسم الفندق ولا حراس يرتدون الزي الموحّد ويقفون أمامه، ولم يكن هناك حمالون بعرباتهم التي ينقلون بها الحقائب. فتح باب السيارة وأنزلت الحقائب، وتبعنا حاملها. دخلنا مبنى بدا هادئاً وكأنه مبنى شقق سكنية وليس فندقاً، وما إن دخلنا المصعد حتى سألت أمي ميرا وقبل أن تضغط على الزر: {أي طابق يا ميرا؟».

ابتسمت ميرا لحماسة والدتي وردت قائلة: {الطابق السابع».

أدرت رأسي إلى والدتي ثم سألتها بتعجب: {هل سنقيم في شقة ميرا؟ ألم تقولي أنك استأجرت لنا مكاناً؟».

تغيرت ملامح والدتي لوهلة، ثم نظرت إلى ميرا التي أخفضت رأسها، ثم قالت بعد تردد: {هذه ليست شقة ميرا، هذه شقة جميلة وتطل على كورنيش الروشة وقريبة من الأسواق والمطاعم، سأقيم بها أنا وأنتِ فقط».

فتح باب المصعد خرجنا منه وأنا أقول: {لو استأجرنا غرفة فندقية مفروشة لكان أفضل، بالتأكيد حول الكورنيش هناك كثير من الفنادق العالمية أليس كذلك؟».

سحبتني ميرا من يدي إلى الشقة رقم 5، ثم أخرجت من حقيبتها المفاتيح ودفعت بها إليّ وقالت مبتسمة: {افتحيها، سيعجبك المكان. أنا متأكدة من ذلك».

التقطت المفاتيح من يدها بتعجب وفتحت الباب. دفعته إلى الخلف ثم تقدمت إلى الداخل تدفعني والدتي... ما إن دخلت حتى أذهلني ما رأيت فعلاً! كانت شقة في غاية الفخامة والترتيب، وكل قطعة فيها تخفي خلفها حكاية ما، كمن سافر إلى كل بلدان العالم وأحضر معه ذكرى من كل بلد. صالة فسيحة تسلّلت إليها أشعة الشمس من النافذة الكبيرة التي احتلت ثلثي مساحة الحائط، ومنضدة أنيقة تحوي تماثيل صغيرة فخارية. أما المطبخ فكان جميلاً، ويطل على الصالة، وفي الجهة المقابلة كان هناك موقد حجري وبجانبه أريكتان وثيرتان كالتي كانت تحيك عليها الجدات معاطف الصوف في أفلام الكرتون. لقد كانت شقة فخمة، وتتمتع في الوقت ذاته بالدفء والحميمية، تجولت في أرجائها أتلمس أثاثها بإعجاب، وعندما مررت بجوار النافذة الكبيرة أسرني المنظر، فقد كانت تطل على كورنيش الروشة ومن خلفه البحر الأبيض المتوسط، الذي وقف قبالته آلاف الناس من مختلف الأطياف والألوان والجنسيات والديانات.

رأيت على الكورنيش مناظر مضحكة كطفل يهرب من والديه، ومناظر تكسوها هيبة الحزن والألم الدفين كفقيرة عاجزة رثة الثياب مستلقية ترقب المارة وتنتظر الصدقات، وعاشق حائر أدار وجهه إلى البحر ليبثه همومه، وطفلة في عمر الزهور وأجمل من كل الزهور، تحمل بيديها الناعمتين أجمل ألوان الزهور تطوف بها على المارة. أناس كثر جداً خلفهم حكايات وآلام شتى، جمعهم البحر الذي يموج بأسرار العابرين، وأحزان الصامتين. قطعت ميرا حبل أفكاري وخيالي وأعادتني إلى الواقع حين نادتني بصوت عالٍ من بعيد: {كااادي.. تعي تا فرجيك غرفتك».