لطالما ظل مفهوم «الأمن القومي» مفهوماً عصياً على التعريف الجامع المانع، ولطالما ظل هناك تقاطع واضح بينه وبين مفهوم الحرية وحقوق الإنسان.

Ad

تتعرض بلدان عديدة لتهديدات إرهابية في الوقت الراهن، وتفرض عليها تلك التهديدات اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهتها؛ وهو أمر يظل محل جدل كبير، وفي غضون ذلك يزيد الالتباس لدى السلطات العامة في دول العالم المختلفة، حينما يتعلق الأمر بممارسات حقوقية تعتبرها «حادة أو منفلتة»، خصوصاً أن اتخاذ الإجراءات التقييدية الخشنة بحق من حقوق الإنسان الفرد يظل محل انتقاد كبير.

يقول الباحث الأميركي أرنولد ولفرز «إن الأمن القومي بمعناه الموضوعي يتعلق بمدى غياب التهديدات الموجهة للقيم المكتسبة في المجتمع والدولة»، وقد أكد باحثون كثيرون هذا المعنى بالذات؛ إذ اتفق كل من «فرانك تريجر» و»فيليب كرننبرغ» على أن «الأمن القومي» يتحقق عبر السياسات الحكومية، التي تستهدف «خلق الظروف المواتية لحماية القيم الحيوية».

ولأن جزءاً من السيادة الوطنية يتعلق بحماية حقوق الإنسان الفرد، وتنظيم تلك الحقوق في ظل حماية الأمن المجتمعي والسيادة، فقد ظهر اتفاق واضح بين كثير من الباحثين على أن الحكومة في أي دولة ذات سيادة مطالبة بأن تتخذ الإجراءات اللازمة حيال الممارسات التي تستهدف قيم الأمة الحيوية.

يظل هذا التدبير الحكومي جزءاً من مسؤولية حماية أمن الدولة والمواطنين والخصوصية والكرامة الإنسانية والوحدة الوطنية والتماسك الأهلي، وتظل قدرة كل دولة على أن تمارس تلك المسؤولية دون أن تجور على حقوق الإنسان الفرد والحريات العامة والخاصة مناط الاهتمام والتقدير.

تعطينا الولايات المتحدة مثالاً واضحاً على كيفية تعاطي الدولة مع مخاطر إرهابية عالية الحدة؛ فعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، انتفض المجتمع الأميركي بأسره غاضباً وخائفاً من هول الضربة والصدمة؛ الأمر الذي ساعد الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته آنذاك على تمرير سلسلة من القوانين الهادفة إلى «مكافحة الإرهاب».

في ستة أسابيع فقط تم إقرار القانون 56 للكونغرس رقم 107، والذي نعرفه باسم «باتريوت أكت» USA Patriot Act، ولمن لا يعرف، فقد أُشير أيضاً إلى هذا القانون اختصاراً باسم «حب الوطن»، وأصبح نافذاً بعد توقيع الرئيس بوش عليه في 26 أكتوبر 2001.

لو قرأ أي من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، أو واضعي دستورها وتعديلاته، نصوص هذا القانون، لأصيب بصدمة كبيرة؛ إذ تم تقويض الكثير من الحريات والحقوق التي تعهدت البنية التشريعية الأميركية بصيانتها، والتي روجت لها واشنطن في العالم أجمع باعتبارها «قيم العالم الحر».

فقد عرّف القانون الإرهاب «بشكل فضفاض»، و»أطلق أيدي ممثلي السلطة التنفيذية دون محاسبة»، و»انتهك الدستور»، و»لم يخضع لمراجعة كافية»، و»تم تمريره في البرلمان دون أن يدرسه أعضاء كثيرون»، و»منح بعض السلطات صلاحيات القيام بعمليات تجسس ومراقبة من دون إذن قضائي».

لم تكن تلك العبارات سوى بعض الانتقادات التي تم توجيهها للقانون، والتي لم تفلح أبداً في الصمود في مواجهة وجهة النظر الرسمية، التي تمثلت بمقولة المدعي العام آنذاك جون أشكروفت: «القانون سيوفر لنا الأمن الذي يضمن الحرية».

لم يكن هذا هو أهم ما فعله أشكروفت لتمرير القانون، لكنه فعل ما هو أخطر من ذلك؛ إذ هدد هؤلاء الذين يعارضون القانون بالمسؤولية عن «دماء الضحايا الجدد الذين سيضربهم الإرهاب»، ولم تصمد المعارضة بل انهارت تماماً أمام حجم الخطر الإرهابي، وتصاعد المخاوف، والرغبة في تفادي المساءلة في حال التراخي في مقاومة الإرهاب؛ وهو الأمر الذي عزز المناخ المناسب لصدور قوانين استثنائية أخرى في البلاد مثل قانون «زيادة الأمن الداخلي»، والذي عُرف أيضاً بـ»باتريوت أكت 2».

لقد هدف هذا القانون تحديداً إلى «إضعاف أو محو الرقابة على تصرفات الحكومة فيما يتعلق بمراقبة المشتبه في ضلوعهم في عمليات إرهابية أو اعتقالهم»، بحسب ما قال المنتقدون وبعض منظمات المجتمع المدني.

لم تتوقف سلسلة التشريعات الأميركية «المناهضة للإرهاب»، بل توالى صدور قوانين أخرى في الاتجاه نفسه، وقد تناسب ذلك طرداً مع حالة التهديدات.

نحن الآن نعرف أن المجتمعات التي تواجه مخاطر إرهابية تقوم باتخاذ تدابير استثنائية لمواجهة هذا التهديد الاستثنائي، وأن هذا الأمر يحدث في الولايات المتحدة، كما يحدث في بريطانيا وفرنسا، أو روسيا وأستراليا، وصولاً إلى تركيا، التي أعاد رئيس وزرائها أحمد داود أوغلو، قبل أيام، تذكيرنا بعبارة أشكروفت؛ إذ تعهد بأن الحكومة التركية «ستتخذ كل التدابير الأمنية اللازمة لحماية الديمقراطية»، في مواجهة ما اعتبر أنه «تهديد إرهابي» من الأكراد وتنظيم «داعش».

إن أفضل ما يمكن أن تفعله حكومة في مواجهة التهديدات الإرهابية العالية الحدة سيتحقق عندما لا تبالغ في ردود الفعل إزاء المخاوف، وألا تسن تشريعات لمعالجة أمور تعالجها التشريعات القائمة بالفعل، وألا تحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن توقف العمل بالقوانين الاستثنائية بمجرد زوال التهديد.

يستهدف هذا الحديث بالطبع إلقاء الضوء على قانون مكافحة الإرهاب، الذي صدر أخيراً في مصر، وهو القانون الذي أثار جدلاً وانقساماً في الآراء، حيث أشاد به البعض باعتباره «ضرورة حيوية» و»من يعارضه خائن»، في حين رأى آخرون أنه «تغول على الحريات» و»تكريس للقمع».

لست مع أي من الجانبين بالكامل، وإن كنت أتفهم كلا الموقفين المتعارضين، وببساطة فإن مصر تتعرض لتهديد إرهابي عالي الحدة، من هذا النوع الذي يجبر أعتى الديمقراطيات على سن قوانين استثنائية، ولذلك كان يجب إصدار مثل هذا القانون الذي وقع من أعده في عدد من الأخطاء، التي كان من الممكن تعديلها أو تفاديها.

الأهم من ذلك أن كفاءة السلطات في إيجاد حل «ناجع» و»متكامل» لمشكلة الإرهاب، وقدرة الأمن على الوفاء بدوره في تسريع الوصول إلى هذا الحل، ستحدان من المشكلات التي سيجلبها مثل هذا القانون، لكن تحويل القانون إلى أداة لتكريس القمع والاستبداد، دون النجاح في مواجهة الإرهاب، سيرجح كفة المعارضين والمنتقدين. هكذا تعلمنا من تجارب الآخرين.

* كاتب مصري