حذر عميد كلية الإعلام في جامعة الأزهر الشريف، د. عبدالصبور فاضل، من نحو 500 موقع تكفيري على شبكة الإنترنت تعمل على تراجع تجديد الخطاب الديني في العالم العربي، وأوضح في حوار مع {الجريدة} أن دعاوى التجديد قضية قديمة حديثة بدأت منذ أيام الإمام محمد عبده، وزادت المطالبة بها بعد نكسة 1967، نظراً إلى فقدان الثقة بين الناس بسبب الهزيمة وتنامي التيارات اليسارية والعلمانية، المنادية باتباع النهج الأوروبي، واعتبار التقاليد الإسلامية من عوامل التأخر والرجعية، وتجددت دعوات التجديد أخيراً بسبب تنامي التيارات التكفيرية في عالمنا الإسلامي.

Ad

وطالب عبدالصبور بضرورة توافر شروط عدة في الإعلامي المتصدي لعرض تجديد الخطاب الديني عبر وسائل الإعلام، أهمها أن يكون ذا ثقافة دينية تؤهله لتقديم الرؤى الدينية، وألا يصدر رأيه الشخصي في أمور الدين، وعدم زج قضايا فرعية بلب قضية النقاش، مؤكداً أن وسائل الإعلام عندما تصدت لتجديد الخطاب الديني أساءت الاستخدام... وفيما يلي الحوار.

ماذا يعني تجديد الخطاب الديني في وقتنا الحاضر؟

تجديد الخطاب الديني يعني قراءة جديدة لقضايا ومستجدات العصر من مشكلات سياسية واجتماعية ودينية واقتصادية. ظهرت في زماننا اليوم قضايا آنية وملحة تتطلب النظر إليها، لذا يجب أن يكون تجديد الخطاب الديني مواكباً لهذه القضايا، مثل نقل الأعضاء والطلاق والزواج عن بعد.

مثل هذه الأمور لم تكن موجودة عند المسلمين الأوائل، الأمر الذي يتطلب منا اليوم النظر إليها من خلال تجديد خطاب ديني مستنير يواكب المستجدات، وهنا التجديد أن نسقط القاعدة الدينية على الأزمنة الجديدة.

متى بدأت المطالبات بتجديد الخطاب الديني؟

تجديد الخطاب الديني قضية حديثة قديمة، فبوادر المطالبة به ظهرت منذ أيام الإمام محمد عبده رائد التجديد في العصر الحديث، كذلك منذ عصر المصلحين وقبلهم، وجاءت الفترة ما بعد نكسة 1967 والتي زادت خلالها المطالبة بتجديد الخطاب الديني، وجاءت اليوم المطالبة من شيخ الأزهر الشريف الإمام أحمد الطيب بضرورة تجديد الخطاب الديني بما يتماشى مع واقعنا المعاش، وبشكل ملح.

أغراض التجديد

هل اختلفت دعاوى التجديد قديماً وحديثاً؟

لا بد من أن نبين أن الدعوة إلى التجديد ثابتة في شكلها العام. ولكن ثمة أغراض تجديدية متعددة، فما حدث من دعاوى لتجديد الخطاب الديني في أعقاب 1967 سببه أن هذه الفترة كانت الساحة مكتظة بالاتجاهات المختلفة، فقد كان بعض المطالبات بإيجاد خطاب ديني علماني، وخطاب ديني يساري، بينما فريق آخر يرفض التجديد ويتمسك بالثوابت القديمة فقط، ورغم ذلك فإن الكل أجمع على ضرورة التجديد، لكن كلٌ على طريقته وبما يخدم توجهاته السياسية، إلى درجة أن البعض وقتها طالب بإعدام كتاب «صحيح البخاري» لاعتباره من وجهة نظرهم سبباً في تراجع الخطاب الديني، وضرورة اتباع أنماط جديدة في تحاورنا مثل الحوار الأوروبي في كل حواراتنا.

هل وسائل الإعلام تبلورت لديها بصورة صحيحة مسألة تجديد الخطاب الديني أم أنها ما زالت غائبة وظلت المطالبة بعيدة عن جوهر الدعوة؟

المتابع للشأن الديني والشأن الإعلامي في يومنا هذا، يجد أن التجديد مازال غائباً عنهم، وفي اعتقادي يمكن حصرها في أن التجديد شكلاً ومضموناً بوجه عام، فكثير يجهل ما هي روافد التجديد للخطاب الديني وما هي أهدافه، ومن الذين يستهدفهم هذا التجديد.

هذه القضايا كافة لا بد من أن نحددها قبل أن نشرع في عملية التجديد.

هل يعني ذلك أنه ليس ثمة اتفاق على الأطر المنظمة لعملية التجديد حتى الآن؟

بصراحة تامة، الموجود على الساحة الآن هو مطالبات بعيدة كل البعد فعلاً، لأننا ندور في دائرة مفرغة، إذ إن كل فريق يرتأي الأمور وفق ثقافته وفلسفته الخاصة، ويعرض شكلاً للتجديد حسب ما يريده هو من وجهة نظره، بمعنى أن ثمة دعاوى تنطلق للتجديد من منطلق الانسلاخ عن الثوابت الإسلامية، وأن نلقي وراء ظهورنا ما جاء به الإسلام باعتباره غير مواكب لمستجدات العصر، في مقابل طرح فكر تقدمي، وفكر جديد عموماً على حد زعمهم، وثمة أيضاً من يطالبون بتجديد الخطاب الديني والتمسك حرفياً بما أقره السلف الصالح، لكني لست مع هؤلاء أو هؤلاء.

أمور الدين

إذاً برأيك من أين نبدأ التجديد؟

لا بد من أن نعي حقيقة عامة وثابتة، وهي أن تجديد الخطاب الديني عملية في حد ذاتها متجددة ومتطورة، ولا بد أن من نعترف بالتجديد كل فترة من الزمن، حيث قال الرسول (ص): «يبعث الله على رأس كل مئة عام مَنْ يُجدِّد لهذه الأمة أمر دينها».

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الكثير يغفل هذه الكلمات ويعتبر التجديد للدين، وهنا الرسول كان واضحاً في قوله التجديد في أمور الدين وليس الدين نفسه، وهذا التجديد مطلوب. ولكن ليس نسف القاعدة الدينية. ونحن نرحب بجميع المطالبات المهتمة بتجديد الخطاب الديني، إلا أنني أرفض المطالبات الفردية نظراً إلى تعدد اتجاهاتها، لأنها قد تتعارض وتعجز عن تقديم خطاب ديني متوافق.

والحمد لله لدينا مؤسسة الأزهر هي مؤسسة جامعة ومعها فروعها للتصدي لعملية التجديد، لذا أطالب بضرورة وجود لجنة للتجديد برعاية الأزهر الشريف تضم علماء مجددين للعالم الإسلامي بأسره.

عقدت الندوات والمؤتمرات الإسلامية المطالبة بالتجديد وخرج معظمها بمقترحات وتوصيات ومع ذلك لم يتم تنفيذ أي منها... فما السبب؟

نحن لن ننسف المؤتمرات ولا الندوات، لكن دعنا ننظر إليها كونها تحدث عملية تجمع بين  وجهات نظر عدة، حيث إن التجمع في حد ذاته والتواصل بين العلماء أمر محمود. وهؤلاء هم من نعوِّل عليهم في مسألة تجديد الخطاب الديني إلى جانب أن المؤتمرات تحدث تراكماً معرفياً ومرجعية لاختلاف الآراء، يمكن الاستفادة منها بشكل رئيس. أما التوصيات التي تتمخض عنها تجعلنا نتساءل على أي مستوى يمكن أن ننفذ هذه التوصيات ومراحلها.

هل يعني ذلك أن التوصيات تعد إشكالية كبيرة في تنفيذها؟

نعم، فثمة توصيات تخرج من المؤتمرات تحتاج إلى قرار سياسي  لتنفيذها، أو على الأقل قرار مؤسسي أو قرار جماعي لا يخص دولة بعينها بل يخص مجموعة دول، فصانع القرار هو صاحب الرؤية المعينة في ذلك الأمر. وفي أحيان كثيرة، لا تستطيع توصيات المؤتمرات أن تلزم صاحب القرار بتنفيذ القرار. هنا في كلية الإعلام جامعة الأزهر، نقيم المؤتمرات والندوات العلمية والدينية ونرسل ما تمخضت عنه من توصيات لكل الجهات الرسمية وغير الرسمية من أجل النفع العام. في هذا الصدد، أوجه اللوم إلى من يهاجمون عقد المؤتمرات والندوات بحجة أنها مضيعة للوقت والمال وأنها بلا فائدة، فهذا أمر غير مقبول على اعتبار أن عاقدي المؤتمرات الدينية ليست جهات تنفيذية.

خلل إعلامي

يرى البعض أن وسائل الإعلام عندما تصدت لتجديد الخطاب الديني أحدثت خللاً في عملية التجديد كيف ترى ذلك؟

وسائل الإعلام بصفة عامة هي بوتقة لنشر الخطاب الديني وليس إعادة إنتاجه، وكما قلت سالفاً إن التجديد في وسائل الإعلام اعتمدت على أن كل وسيلة تريد أن تقول إن هذا التجديد هو الأفضل والأمثل، لكن حسب رؤيتها وسياستها هي وليس تجديداً كما يطالب به العلماء بقدر ما هو دعوة إلى مدرسة الحداثة التي تقول إن الأصول الإسلامية عفى عليها الزمن وإن التراث الديني لم يعد مواكباً لهذا العصر.ولا ننكر أن وسائل الإعلام في أغلبها تجاوزت دورها الحقيقي في مسألة تجديد الخطاب الديني، وهذا يوضح حال الإعلام العربي، ومدى تردي المهنية الإعلامية، خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي، فبعض الإعلاميين أراد أن يجعل من نفسه زعيماً من أجل جذب المشاهدين لهم، إلى جانب أن أزمة الإعلام تظهر عندما يتصدر المذيع بمفرده مناقشة قضية دينية، وأن يستعين بضيوف على حسب اختياره يكونون مؤيدين لسياسته أو سياسة المنظومة الإعلامية التي يعمل بها ليضرب قواعد الدين في مقتل، وهو في الوقت ذاته يتحدث باسم الدين، لذا أطالب دائماً بأن يكون الإعلامي الذي يتصدى لعرض قضية دينية أن يكون متخصصاً ولديه الخلفية الدينية والثقافية الإسلامية التي تمكنه من طرح الأمور بطريقة لا تُحدث لغطاً.

نشر التطرف

• هل الإذاعات والفضائيات الدينية فشلت في توصيل خطاب ديني متجدد؟

نعم القنوات الدينية تنامى ظهورها في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة، واحتلت الفضائيات الدينية على وجه الخصوص المرتبة الرابعة بين القنوات المتخصصة، فثمة كثير من هذه القنوات ساعدت على نشر الأفكار المتطرفة والهدامة، وهذه القنوات اتخذت من الدين ستاراً لترويج أفكار متطرفة وإرهابية، ناهيك عن التناقض، فقد نرى أحد كبار المقرئين يتلو القرآن الكريم وأسفل الشاشة شريط الأخبار يروج لمستحضرات جنسية، أو يعلن عن افتتاح ملهى ليلي، أو إجراء مسابقات وهمية باسم الدين. أدى كل هذا إلى تراجع تجديد الخطاب الديني، رغم أن الإعلام يعد أحد العناصر المهمة في قضية التجديد، وتقديم خطاب ديني مستنير.

• بالنسبة إلى مصر مثلاً، كيف ترى مطالبة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بضرورة تجديد الخطاب الديني؟

ليس من المعقول أن ننتظر إلى أن يتحرك الحاكم أولاً، ومع ذلك أرى أن ثمة مؤسسات عامة دينية قد فهمت هذا الطلب خطأ، وأدلت بدلوها وطالبت بثورة ضد الدين، حيث إن الرئيس عبدالفتاح السيسي أراد ثورة للدين وليس ثورة ضد الدين، بمعنى ثورة للدين بثوابته وقواعده وقرآنه وسنته وبآراء الفقهاء والعلماء الثقاة، بحيث نسقط ثوابتنا الدينية على واقعنا المعاصر.

خطاب البسطاء

• كيف نقدم خطاباً دينياً يصل إلى بسطاء الثقافة من الناس؟

أولاً، لا بد من أن يكون من يتولى مسؤولية تقديم الخطاب الديني موضع ثقة الناس، بحيث لا يقدم النصيحة وهو مصاب بالأزمة نفسها، كمن ينصح بعدم التدخين وهو مدخن. كذلك يجب أن تكون لدى وسائل الإعلام الغيرة الوطنية والدينية حتى لا تحدث بلبلة لدى الرأي العام، وأن يكون ما بين العلماء خلاف وليس اختلاف، لأن الخلاف يعطي للقضية زخماً. أما الاختلاف فلا يمكن أن يصل إلى اتفاق بين رأيين، وأخيراً لا يجوز التطاول على رجال الدين.

• هل تنامي الجماعات الدينية المتطرفة كان سببا في تشويه صورة الخطاب الديني؟

لا شك في أن لتصدر الجماعات الملتحفة بالإسلام تأثيراً كبيراً على مجريات الخطاب الديني، والمتابع لهذه الفئات يرى أنها انطلقت مدعومة بنظم إعلامية كبيرة ومنظمة، سهلت لها تأثيرها في قطاع عريض من الناس، إلى جانب استخدامهم التقنية الفنية والتكنولوجية العالمية، واستخدام شبكة العلاقات الدولية الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي تراجعت فيه مهمة المؤسسات الإسلامية والإعلام الديني الرسمي، ومن خلال رصدنا لهذه الجماعات ومدى تأثيرها وجدنا أن ثمة أكثر من 500 موقع إلكتروني تكفيري، وتضاعف العدد في ما بعد. ومن دون شك كان لهذه الجماعات تأثير قوي في تراجع الخطاب الديني وهذه المواقع تضخ معلومات مغلوطة ليل نهار، وفي ظل الأمية الدينية والبطالة يكون من السهل أن تتلقف هذه المواقع الشباب وتؤثر فيهم.

• هل تجديد الخطاب الديني عبر وسائل الإعلام المرئية يعني أن يتحوَّل التلفزيون إلى مسجد؟

لا نطالب بأن يتحوَّل الإعلام إلى مسجد، ولكن يجب أن يصبح متوازناً في برامجه، خصوصاً الإعلام المرئي، لأنه يؤدي دوراً كبيراً ومؤثراً على المتلقين في العالم الإسلامي، بل يجب أن يكون تأثيره أكبر وأعمق من تأثير المؤسسات الدينية كافة، الأمر الذي يستلزم أن تكون برامجه متوازنة دينياً ودنيوياً، صادقة وبعيدة عن الإثارة حتى لا يقع الشباب والمجتمع في حيرة بين ما تقدمه المؤسسة الدينية وما يراه من المؤسسة الإعلامية، فيؤدي ذلك إلى فقدان التوازن لدى الشباب، وبالتالي يفقد الثقة في المؤسستين الدينية والإعلامية، وهنا تتلقفه أيادٍ أخرى تعبث بفكره الديني.

في سطور:

- تخرج د. عبدالصبور فاضل في كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر الشريف، عمل أستاذاً للغة العربية، ثم رئيساً لقسم الصحافة والإعلام، ثم اختير كأول عميد لكلية الإعلام في جامعة الأزهر.

- له الكثير من المؤلفات في اللغة العربية وآدابها، ومئات الأبحاث العلمية في الإعلام الديني.

- يتولى رئاسة اللجنة الإعلامية في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

- يعتبر كتابه «الخبر في القرآن الكريم والحديث النبوي» من أهم ما قدمه لخدمة الإعلام الديني.

- يشارك في كثير من المؤتمرات الدولية، حيث يطرح رؤية جديدة لتصحيح الإعلام الإسلامي.