1 إحاطة الذات بالسعداء
وفق الدراسات، يبدو أن السعادة ظاهرة مُعدِية. كل من يحيط نفسه بأشخاص سعداء لديه فرصة أفضل لتحقيق السعادة والحفاظ عليها. ثمة جانب منطقي في هذا الافتراض، وكأننا نقول إن المزاج يتحسن في أيام الصيف المشمسة والجميلة أو حين نكون مع أصدقاء ممتعين. لكن هل يمكن أن يكون الشعور الإيجابي كافياً لتحقيق السعادة؟ ليس بالضرورة! يمكن أن نشعر بالسعادة والراحة حتى لو تواجدنا مع أشخاص لا يشاركوننا هذه المشاعر. وحتى لو وجدنا نفسنا في موقف معقد، يمكن أن نستمتع بالوضع لأنه ينشّط ذكاءنا ويشغّل قدراتنا الفكرية. قد يؤدي {تشغيل الرأس} إلى الشعور بالرضى. لا تكمن السعادة على مستوى العلاقات في الهدوء الظاهري أو غياب الاضطرابات والصراعات أو الظروف المعقدة. يفضّل البعض التواجد بين أشخاص مقربين منهم حتى لو كانوا غارقين في المشاكل. حتى إنهم قد ينزعجون من فكرة الاختلاط بأشخاص {سعداء}.أمام هذا الوضع، يجب أن يحاول كل شخص الإصغاء بإمعان إلى مشاعره وعواطفه خلال تواصله مع الآخرين. يرسل الجسم باستمرار مؤشرات لإبلاغنا بأثر مختلف الظروف علينا. لكن لا يمكن تقييم الوضع بطريقة عشوائية أو آنية. بل يجب إطلاق الأحكام على المدى الطويل تزامناً مع مراعاة ازدواجية المشاعر الخاصة وعواطف الآخرين، فضلاً عن الظروف التي يمر بها مختلف العلاقات. من الضروري أيضاً التساؤل حول منافع التقرب من أشخاص دائمي المشاكل واستكشاف السبب الذي يفسر هذا الميل.2 تطوير قوة التحمّلوفق الدراسات، يجيد الناس السعداء تجاوز المحن ولا يسمحون لنفسهم بالغرق في فخ الاكتئاب. لكن يبقى مفهوم قوة التحمّل غامضاً. ترتبط القدرة على النهوض من المصاعب بمسار الطفولة والقدرات اللاواعية التي يحافظ عليها الفرد على مر السنين. عملياً، لا معنى لتطوير قوة التحمل لأن ظروف الحياة هي التي تحرك الناس. من يستطيع أن يتوقع ردود فعل الناس على مختلف الظروف والمآسي؟في المقام الأول، يجب أن ندرك وجود قوى كامنة في داخلنا: يكون بعضها مسؤولاً عن إحباطنا والبعض الآخر مسؤولاً عن تشجيعنا من جديد. من الأسهل تجاوز المشاكل من خلال ترسيخ الفئة الثانية من القوى. لكن يخطئ من يسعى إلى النهوض بسرعة مفرطة من دون التساؤل عن العوامل التي جعلته ينهار. من المعروف أنّ الاكتئاب هو مرحلة من التجدد النفسي والبحث الداخلي، إذ يعزز هذا الوقت المخصص للذات احتمال تغيير مسار الحياة. إنها واحدة من طرق البحث عن السعادة.3 التحرك العملي لتحقيق السعادةوفق الدراسات، لا ينتظر الشخص السعيد بلوغ السعادة بل إنه يتحرك للبحث عنها وخوض التجارب والمغامرات التي يمكن أن تعزز مشاعره الإيجابية. تبرز النزعة الطوعية في هذا السلوك، لكن يتوقف كل شيء على معنى {التحرك}خلال هذه الرحلة: هل يعني تطبيق التوصيات الواردة في الكتب التي تتناول موضوع السعادة أم فتح المجال أمام استجواب الذات لتحديد ما يضمن زيادة منسوب السعادة؟ من الأفضل اللجوء إلى الخيار الثاني، أي التساؤل حول الأساليب التي يمكن أن تجعلنا أكثر سعادة. يمكن تحقيق ذلك عبر تحديد الضوابط الداخلية والعوائق الخارجية ثم البدء بالإصغاء إلى طريقة تعبيرنا عن رغباتنا. في مطلق الأحوال، يعني السعي إلى تحقيق السعادة تطوير شكل من الانتباه والتعاطف مع الذات والعمل على توسيعه كي يشمل لاحقاً طريقة تعاملنا مع الآخرين.4 فرح العطاءوفق الدراسات، يخصص الأشخاص السعداء جزءاً من وقتهم للقيام بأعمال خيرية وسماع المحتاجين من حولهم ومساعدتهم. لا شك أن العطاء ينعكس إيجاباً على مستوى تقدير الذات لكن لا يمكن إنكار النزعة النرجسية الكامنة وراء هذا العمل. تُعتبر خدمة الآخر تطوراً ثقافياً وهي ترتبط بطريقة تعاملنا مع نفسنا. للتوصل إلى مساعدة الغير بدل استغلالهم لسد الثغرات النرجسية في داخلنا، يجب أن نحب نفسنا بما يكفي، لكن لا يتمتع الجميع بهذه الميزة. العطاء ليس مناقضاً للأنانية السليمة التي تحدد مسار التعامل مع الآخرين.في المقام الأول، يجب التركيز على الاعتناء بالذات من خلال الإصغاء إلى الحاجات الذاتية ونقاط الضعف والطموحات، ثم محاولة تلبيتها بطريقة شخصية للتمكن من مساعدة الغير بشكل محترم ومفيد للذات. الشخص المعطاء الذي يحمل صورة سيئة عن نفسه يجد صعوبة في احترام حاجات الآخر واسترجاع الشعور بالرضى من خلال أعمال العطاء. يكون الانفتاح على الذات مفيداً للطرفين إذا كنا منفتحين على نفسنا قبل كل شيء.5 رؤية الجانب الإيجابي من الأحداثوفق الدراسات، يُعتبر التفاؤل شرطاً أساسياً للسعادة. على عكس المتشائمين، يظن المتفائلون أن الشمس ستشرق بعد كل عاصفة! يثقون بقدرتهم على تحويل الأمور لمصلحتهم. لا يمكن إنكار منافع التفاؤل طبعاً. لكن يجب الاعتراف أولاً بأن هذه العقلية تتوقف بشكل أساسي على التاريخ الشخصي والتجارب الفردية. لا يمكن أن تنشأ هذه النزعة التفاؤلية لدى شخص واجه ظروفاً صعبة منذ مرحلة مبكرة من حياته أو نشأ وسط عائلة مضطربة أو قاسية أو صامتة، مع أن هذه العوامل لا تقود إلى التشاؤم بالضرورة. يتوقف الوضع على الخبرات والقناعات الذاتية. الأمر المؤكد أنّ الإرادة لا تؤدي أي دور فاعل في هذا المجال، وبالتالي لا نفع من محاولة إجبار الذات على رؤية الجانب الإيجابي من الأمور.لا يمكن تغيير الميول الداخلية وإعادة النظر بالقناعات والتحرر من الأفكار السلبية تجاه الذات والآخرين والحياة عموماً إلا من خلال العمل على تطوير الذات. يمكن تحقيق ذلك عبر البحث عن الأحداث والصور المرتبطة بالطفولة، أي تلك التي تعزز الرؤية التشاؤمية تجاه الحياة. يمكن الاستفادة أيضاً من تذكّر التجارب الناجحة والمصاعب التي تم تجاوزها. بهذه الطريقة، لا يشعر الفرد بأنه عاجز أمام المشاكل.6 الابتعاد عن المواقف العصيبةوفق الدراسات، يجيد الأشخاص السعداء الانفصال عن مصادر الضغط النفسي أو عن التأثيرات السلبية التي ينتجها الآخرون. يصعب إنكار هذا الواقع، لكن يعني هذا "الانفصال” فعلياً الابتعاد عن اللحظة الراهنة والغوص في أعماق الذات لاسترجاع الهدوء. من خلال تمضية هذا الوقت على انفراد، يتحسن التعامل مع الذات ويزداد الشعور بالراحة.يمكن تنفيذ عملية العودة إلى الذات بطرق مختلفة: عبر التأمل ونسج الأحلام والفنون والإصغاء إلى الأحاسيس الجسدية والعواطف والأفكار الداخلية. أهم ما يجب فعله هو الحصول على فرصة الاحتكاك بالمشاعر العميقة وتجنب البقاء خارج الذات لفترة طويلة.7 الانفتاح على الجانب الروحيوفق الدراسات، تعطي الصلاة ولحظات التأمل ومختلف الطقوس الروحية آثاراً إيجابية على الصحة النفسية. تساهم القيم الدينية في تعزيز مستوى السعادة. يجب أن نقتنع بأن البعد المادي للوجود لا يقود إلى السعادة: المال والرخاء هما وسيلتان وليسا هدفَين بحد ذاتهما. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن اختصار الحياة الروحية بممارسات ومعتقدات دينية. بل يجب استعمالها أيضاً لتهدئة المخاوف وخوض رحلة التحرر الذاتي التي تسمح باستكشاف الوضع النفسي والتاريخ الشخصي. لا يعني ذلك إنكار منافع الصلاة أو التأمل بل عدم اعتبارهما علاجاً بمعنى الكلمة. تعني الحياة الروحية أيضاً الانفتاح على الأبعاد الروحية الواسعة بجميع تعقيداتها. يحصل هذا الانفتاح عبر الكلام أولاً.للاستفادة القصوى من هذه الجوانب، يجب أن نتوصل إلى سماع الذات ثم سماع الآخرين تزامناً مع التنبه إلى شاعرية الكلمات من دون التركيز على المعنى.يجب الإصغاء تحديداً إلى كل ما يصدر من داخلنا (رغبات، قيم، مزايا...) حتى لو كانت بعض الأمور مزعجة. من خلال الإصغاء والابتسام والشعور بالطبيعة والقراءة، يمكن الخروج من مخابئنا والانتقال من الذكاء الوظيفي إلى الذكاء العام والمتكامل. يضمن هذا التطور الذاتي بناء السعادة في نهاية المطاف.
توابل - علاقات
7 خطوات لتحقيق السعادة
16-09-2015
يكفي أن نقلّد الناس السعداء كي نشعر بالسعادة! هذا هو شعار مروّجي مبدأ السعادة. إنها مقاربة صحيحة نظرياً لكنها بالغة التعقيد عملياً.