أرسل لي صديق مُقتطفاً من برنامج حول دولة عُمان، والمقتطف يتمحور حول الطائفية، وكيف أن ظلالها في هذا البلد بالغة الشفافية، ولا تبين. وكيف أن الشعب الذي يتضمن أجناساً، ومذاهب، وطوائف يقطع الزمن العربي والاسلامي المضطرب بآفات الضغينة في استراحة المتجانس، وسلامة القلب من النوايا السوداء. البرنامج يعرض صلاة الجماعة في المسجد، فنرى أداء الأفراد بين مُسبل ذراعيه إلى جانب ذراعين مطويتين، وبين مردد لآمين وصامت عنها، واختلاف الأعراض يكشف عن اختلاف المعتقد والمذهب، وهل خُلق البشر نسخة متطابقة؟ وحين يحاول البرنامج البحث عن العامل الفعال وراء ذلك يجده، على لسان أردني مقيم، كامناً في البراءة التي تتمتع بها الشخصية العمانية، وعلى لسان فلسطيني مقيم، في الفطرة التي جبلت عليها. ولكن ابن البلد يعود إلى عامل التربية. فالطفل في عُمان يُلقَّن وهو طفل بأن الفروق في الأجناس والأديان والطوائف تنطوي على فضيلة التنوع، والسعي لاعتلاء ناصية الحقيقة وهمٌ، وهذا الوهم خطيئة لأنه يؤلب على الفتنة والكراهية والموت. والتعليم لا يعتمد المسعى الخيّر وحده، بل يتعزز بالقانون. فالدولة تعاقب من ينحرف عن جادة التعليم هذه بالسجن الذي قد يبلغ السنوات العشر.

Ad

ولكني أعتقد أن تدخل الدولة لم يقف عند تعليم المدارس من الابتدائية حتى الجامعة، بل اتسع لآفاق أخرى لا تقل أهمية. حين زرت مسقط قبل أكثر من سنتين استوقفتني العمارة، إن لم تكن أدهشتني، وكتبت عن ذلك في عمودي هذا: "في مساء اليوم الأول حققت تجوالا في مسقط القديمة النائمة كحمل وديع بين مرتفعات جبلية. دار الأوبرا الذي رأيته خرج من رحم هذه العمارة: مبانٍ متفرقة لا تتعارض، بل تتواصل برشاقة بالغة الغنائية: فهي مترادفة لا متطابقة، وواجهاتها مثل كلمة منطوقة بوضوح أو مثل حجارة منحوتة بإزميل مُرهف الشفرة، ولا ترتفع بأكثر من طابقين أو ثلاثة. وهي بيضاء (بياضاً حليبياً) لا حدة فيه، لا تخترق عتمة الليل المحيطة، بل تندلق منها كالزبدة، بفعل تأثير الإضاءة الصفراء المشوبة بالحمرة الشاحبة، والموزعة بدراية فنية عالية...".

هذه العمارة التي سعت، أو سعى الرجال الذين وراء تخطيطها، إلى توفير حد أعلى من الانسجام أو الهارموني، لا بد أنها سعت عن معرفة بأن هذا الانسجام سيحقق مع الزمن تأثيرات فعالة متبادلة بينه وبين الناس. إن العيش في مدينة على هذا القدر من جمال التوازن والانسجام، على هذا القدر من "الرشاقة الغنائية" لابد أن يوفر مع الأيام، وبدعم التربية والقانون، رشاقة في السلوك، ورشاقة في الإيمان والمُعتقد، تبدو الإيمانات التي تعتمد التفرقة والتمييز إلى جانبه مخلوقاً شيطانياً. وهذا ما يحدث على صعيدي العمارة والمُعتقد في معظم عالمنا العربي والاسلامي.

إن علاقة العمارة بالأخلاق تمتد إلى مراحل مبكرة في الوعي الإنساني. ولعل أنضج مراحلها تبدأ مع الحضارة اليونانية، ومع رؤية أفلاطون في أن العمارة تعبير عن وحدة الكون وانسجامه. وليس اعتباطاً أن تُرى العمارة "موسيقى جامدة"، فالموسيقى بدورها تعبير عن هارموني الكون ووحدته. ولم ترتبك هذه الرؤية الفلسفية إلا بموقف الفيلسوف "كانت"، في عصر التنوير، الذي جرّد علم الجمال من أية غاية نفعية، وأفرده بعيداً عن فاعليتي العقل والأخلاق. ولكن إرباك "كانت" ظل محدود التأثير بشأن العمارة، فبقيت الرؤية الأفلاطونية تتطور عبر "هيجل" و"هايدغر" و"غادامير" إلى اليوم.

أوافق البرنامج بشأن براءة وفطرة العماني، لكني أتحمس بشأن الدور الذي تنجزه التربية والمؤسسة الرسمية. وإذا كان شاهد البرنامج على هذا الانسجام السمح في مشهد المصلين، فلي شاهد لا يقل قيمة ودلالة كامن في هذه العمارة التي "لا تتعارض، بل تتواصل برشاقة بالغة الغنائية: مترادفة لا متطابقة، وواجهاتها مثل كلمة منطوقة بوضوح...".

أمنيتي أن تكون عُمان وعاصمتها مسقط نموذجاً للانسجام، في المعتقد وفي العمارة، يُحتذى عن وعي ودراية من قبل عالم عربي وإسلامي تنخر أحشاءه المصالح المتدنية باتجاه سلطة السياسة والمال، وراء قناع الدين والمذهب.