برأي كثير من نقاد السينما، انتصر توفيق الدقن لنفسه من خلال قدرته العبقرية على تجسيد الشخصية الشريرة في أعمال كان الشر فيها هو الأساس. ويذكر الدقن حادثاً غريباً عكس له مدى تأثيره في الناس من خلال شخصياته السينمائية، فيقول: {عندما سكنت لأول مرة في العباسية ذهبت لأشتري اللحم من دكان جزار يقع تحت بيتي، فطاردني الجزار بالساطور لأنه لا يسمح للصوص بدخول محله}، وظل لعدة أشهر ينظر إليه بطريقة جنونية عند دخوله وخروجه من البيت.

Ad

{أنا في حياتي الخاصة مش شرير}، يؤكد أيقونة الشر في مذكراته الشخصية، وهو شارك في عشرات الأعمال المهمة التي شكَّلت ملامح جزء مهم من ذاكرة السينما المصرية. وضمن مذكرات شخصية تسطر سيرته الذاتية يوضح أن التمثيل لم يخطر بباله أبداً، بل {كانت دائرة أحلامي بعيدة جداً عن هذا الميدان}. كان يريد أن يكون لاعب كرة قدم دولياً، ووقت فراغه كله أمضاه في ملاعب المنيا التي كانت تعرف اسمه.

ويتابع الدقن: {في إحدى ندوات جمعية الشبان المسلمين بالمنيا، وكانت تقام فيها حفلة تمثيلية، ذهبت لأقابل صديقاً من الأصدقاء ولأشاهد المسرحية، وكان من بين الحضور شخص اسمه عاطف حلمي المنياوي. ما إن شاهدته واقفاً بين الممثلين حتى ذهبت إليه لأصافحه، وما إن رأتني الفنانة الكبيرة روحية خالد التي كانت تقف إلى جواره حتى قالت {ماهو ده كويس. أدي له الدور}.

وحدثني صديقي جانباً أن أحد أعضاء فرقته المسرحية اعتذر عن الحضور لمرضه المفاجئ، وأن دوره سهل وبسيط وأمهلني 20 دقيقة أحفظ فيها كلمات الدور وكيفية إلقائها.

إفيهات

وقبلت الدور إلا أن أمراً ما تغيَّر بداخلي، حسم قرار التحاقي بمعهد التمثيل والذي نجحت في الالتحاق به.

{أحلى من الشرف مافيش، العلبة دي فيها إيه، يا عيني على الصبر، صلاة النبي أحسن}... كلها كلاشيهات محفورة في ذاكرة السينما، {لشرير السينما الظريف}، وهو تمتَّع بحس الدعابة التي دعمت أداءه بجانب التلقائية.

ويقول الدقن عن تلك الإفيهات: {الناس يرددون {أحلى من الشرف مفيش} وغيرها وغيرها، وأنا أحب اللزم دي كلها وأخذت فكرتها من شكوكو الذي كان يقول مثل هذا الكلام في منولوجاته وكانت تنتشر بين الناس بسرعة}.

يتابع: {أما حكاية {أحلى من الشرف مافيش} فقد كان عبده دنس شخصية حقيقية بأبعادها كافة، وكنت ألتقي به على مقهى في عماد الدين وكان فتوة على قواد وكلما تكلم قال {أحلى من الشرف مافيش}.    

كان أول ظهور لتوفيق الدقن في السينما من خلال فيلم {ظهور الإسلام} عام 1951، أما آخر أفلامه فكان {المجنون}. ومن أشهر أعماله: {سر طاقية الإخفاء، ابن حميدو، بورسعيد، الشيماء، على باب الوزير، خلخال حبيبي، سعد اليتيم}، الشيطان يعظ، البحث عن فضيحة}، ضمن مسيرة حافلة بأدوار الشر.

لص

أدى شخصية الشرير ببراعة واشتهر خلال مشواره الفني بتقديم دور اللص والبلطجي {العربيد}، ويذكر نقاد السينما أن الجمهور وقتها كان يتأثر بأداء الفنانين لدرجة لا تجعلهم يفصلون بين حياته الخاصة وبين ما يقدمه على الشاشة، فكان ينعته البعض {باللص السكير}، حتى وصل إلى والدته أن ابنها أصبح سكيراً ولصاً، فصدقت واعتقدت أن ابنها {الملتزم} ضلَّ طريقه في القاهرة.

إحدى النوادر الفنية في حياة الدقن والتي تحدَّث عنها في مذكراته موقف مع رشدي أباظة، وكان من أحب الناس إلى قلبه وجمعتهما صداقة قوية. فوجئ في أحد الأيام بسيناريو  اسمه {الرجل الثاني} وبالفعل تعاقد عليه، إلا أنه فوجئ بترشيح لرشدي له فانسحب بهدوء ومن دون أن يخبر صديق عمره بما حدث، ورغم حاجته الملحة إلى المال آنذاك.

رحل الفنان القدير توفيق الدقن في  نوفمبر عام 1988، تاركاً أعمالاً جعلت ذكراه خالدة كأحد أقدر أشرار السينما المصرية.