يمر بعد غد ربع قرن على ذكرى جريمة العصر التي ارتكبها النظام العراقي الصدامي بحق جاره وشقيقه الشعب الكويتي، ففي ذاك الخميس الأسود انتهكت سيادة وحقوق دولة الكويت أرضاً وشعباً، ونتيجة لذلك وقعت تداعيات خطيرة مازلنا نعيش آثارها حتى اليوم، فحال الأمتين العربية والإسلامية الذي أمست عليه ليلة الأول من أغسطس 1990 تبدل في اليوم التالي إلى الأبد، إلى حال من التدهور والتراجع بسبب جريمة نظام البعث العراقي بحق الكويت وجيرانها.

Ad

أحداث الغزو وفظاعاته وتداعياته تناولتها مئات الأفلام الوثائقية والبرامج الإخبارية والمنشورات والكتب، وستعاود وسائل الإعلام بثها ونشرها خلال هذه الأيام، وقد استهلكت، لكن يجب أن تبث بشكل مطور حتى لا ننسى أننا في عالم مليء بمخاطر تحيط بنا، ويجب أن نكون دائماً مستعدين لها كذلك، حتى تبقى ذكرى جميع الشهداء الذين ضحوا من أجلنا في مخيلتنا، رغم أننا لم نوفّهم حقوقهم حتى الآن في التكريم وتخليد ذكراهم.

بعد ربع قرن من الحروب والكوارث، لا تكتفي الشعوب الحية ببث الأفلام الوثائقية عن حروبها والبرامج الإخبارية، بل تسأل نفسها: ماذا فعلت مقابل دماء شهدائها الذكية وتضحيات أبنائها المخلصين، وماذا حققت لأجل وطنها؟ فاليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وحتى سنغافورة، الجزيرة الصغيرة التي يوازي حجمها حجم جزيرة بوبيان، كلها دول تشبعت بدروس الحرب والغزو، بعد الحرب العالمية الثانية وحرب كوريا، وحولت عِبر تلك الدروس إلى نماذج متميزة في الاقتصاد والديمقراطية والتنمية والازدهار.

ولكننا في الكويت، وبعد التحرير مباشرة اشتعلت حرب شرسة لاستعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الغزو من تفرد بالسلطة، وعودة مراكز القوى والنفوذ لحلب مقدرات البلد وخيراته، وتأجيج النزعات القبلية والطائفية والفئوية لتخريب الديمقراطية والالتفاف على الدستور- الذي يطالب المجتمع الدولي الذي ساهم في تحرير البلاد بتطبيقه وتعزيز الديمقراطية الكويتية- وتوزيع الغنائم وفقاً للولاء وانتشار فضائح سرقات المال العام، وتسييس أجهزة الدولة الإدارية لخدمة القرار السياسي، من خلال شراء الولاءات، وزج الأجهزة التعليمية والأكاديمية في جميع الصراعات السياسية في البلد، وإقرار عشرات القوانين التي تضاد الحريات العامة والديمقراطية، وإن كانت أقرت بعض القوانين الإيجابية مثل حقوق المرأة السياسية وفتح إصدار الصحف وقنوات المرئي والمسموع، لكن الممارسات التسلطية الممنهجة للدولة تمحو أثرها وتقلل من قيمتها.

وفي الجانب الاقتصادي، لم يتحقق شيء في عملية عدالة توزيع الثروة الوطنية ومحاربة الفساد الذي يحيط بمعظم مناقصات الدولة ومشاريعها الكبرى المعطلة، مثل المطار والمترو، وحتى تطوير الجزر ومدينة الحرير، ومازالت البورصة مكاناً خطراً يمارس فيه الحيتان هواية جمع مدخرات الكويتيين، بينما يعاني نظام الرواتب والأجور في الدولة عدم تحقيق العدالة بين المواطنين، ولا تقوم الدولة بتحصيل أي رسوم ضريبية على المليارات التي يتم تحويلها خارج البلاد سنوياً، مما يشكل مقتلاً للاقتصاد الوطني.

بعد ربع قرن تراجعنا في جميع المجالات، ولم نستفد شيئاً من عِبر ودروس الغزو والاحتلال البربري، رغم إمكاناتنا المالية الهائلة، بل أصبحنا أكثر غلظة وتوتراً في ما بيننا، ولا يكفي أن نكون موسميين في عطائنا عندما تحل بنا كارثة – كما حدث في جريمة مسجد الإمام الصادق-، ثم نعود لنمارس كل سلبياتنا بعد ذلك، ونخذل شهداءنا ونهدر تضحياتهم من أجلنا، فلولا هؤلاء والتفاف أبناء الشعب الكويتي حول الشرعية، ما استطاعت كل جيوش العالم أن تحرر الكويت وتعيدها إلى ما كانت عليه دولة مستقلة حرة، لذا نحن اليوم مطالبون بأن نتفكر في: ماذا فعلنا... وماذا استفدنا من تلك التجربة المريرة... وماذا حققنا لوطننا لنجعله أشد منعة وقوة، أكثر من احتياجنا لأي أفلام وثائقية ولقاءات وبرامج سياسية وإخبارية معتادة.