من ينتمون إلى جيلنا يتذكرون أن "مدينة نصر" كان اسمها في البداية "مدينة ناصر"، وأن استاد القاهرة كان اسمه "استاد ناصر"، لكن تغير الأمر مع الوقت، ولا تعرف الأجيال الجديدة عن الأسماء الأصلية شيئاً.

Ad

وبعد أن انتهى عصر عبدالناصر، وبدأ عصر السادات، فإن أكثر ما كانت تتحدث عنه وسائل الإعلام، عندما تتحدث في ذكرى ثورة يوليو، وتتوقف أمامه من تاريخ الثورة البيان الذي ألقاه السادات إعلاناً عن حركة الجيش، الذي كان أول مراحل الثورة كما أصبحت في ما بعد، وكانت تعتبره هو أهم ما حدث في الثورة، متناسية ومتجاهلة ما عدا ذلك، لدرجة يبدو معها أن الثورة لم يحدث فيها سوى هذا البيان.

كما كان المشروع الأول في ذلك الوقت، الذي تتركز عليه كل الأضواء، وتهرول وراءه كل الكاميرات، وكل وسائل الإعلام، هو مشروع "جمعية الوفاء والأمل"، الذي دشنته السيدة جيهان السادات، التي خفتت عنها الأضواء بمجرد اغتيال الرئيس الراحل، بل وغمره النسيان، وأصبح المشروع مهدداً بالانتهاء، وبأشياء أخرى، ليس إلا لأن صاحبته لم تعد في السلطة.

وعندما انتهى عصر السادات وبدأ عصر مبارك، مارست وسائل الإعلام معه ما كانت تمارسه مع من سبقه، فحوّلت انتصار أكتوبر بكل ما بذل فيه، وبكل الدماء الغالية التي سالت على أرض الوطن، وبكل الخطط التي وُضعت ونُفذت لتخرج واحداً من أعظم الانتصارات والبطولات، إلى مجرد ظل للضربة الجوية الأولى التي قادها الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولا أقصد هنا التقليل من دور هذه الضربة، لكني أتحدث عن تجاهل ما عداها، واختزال واختصار الحرب والنصر كله في حدث واحد.

ولأنها دائرة تدور على الجميع، ولأنه درس لا يتعلمه أحد، فبمجرد انتهاء نظام مبارك، انتهى الحديث عن كل المشاريع التي كانت تتصدر عناوين الصحف الأولى كمشاريع قومية، مثل مشروع "مكتبة الأسرة" على سبيل المثال، الذي كثر الخلاف حوله، بين من يريد أن يلغيه أو يقلصه، لمجرد أنه كان تحت رعاية السيدة سوزان مبارك، وهو نفس ما حدث مع جمعيات الرعاية المتكاملة، التي كانت تقدم خدمات تعليمية وتثقيفية في 14 فرعاً، تقلصت إلى 3 أفرع، ليس لسبب إلا لأن من كان يشرف عليها لم يعد موجوداً في السلطة.

ويمكنني هنا ذكر عشرات المشاريع المفيدة التي كانت موجودة في العصور السابقة، والتي انتهت بمجرد خروج صاحبها، أو راعيها من دائرة الضوء، ووقتها لا يلتفت أحد إلى دورها، ولا إلى الفائدة المجتمعية لها، فهناك مشاريع جديدة سيروجون لها.

ما ذكرني بكل هذا، هو ذكرى حرب أكتوبر التي مرت قبل أيام، والتي تابعت تغطية وسائل الإعلام لها عبر الفضائيات والصحف، ولم أجد أحداً -إلا القليل- يشير إلى أمرين اعتدنا أن نسمع عنهما كلاماً كثيراً، حتى من أولئك الذين تناسوا هذه المرة، دور سلاح الطيران الذي قام بالضربة الجوية الأولى، وقائده في ذلك الوقت الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولا إلى الدور الذي لعبه في الحرب، رغم أن نفس هذه الأقلام ونفس وسائل الإعلام كانت تحصر الحرب كلها في دوره من قبل.

أما محمد مرسي صاحب التعبير عن "الستينيات وما أدراك ما الستينيات" فقد احتفل بالسادس من أكتوبر بطريقة غير الجميع، إذ قرر استبعاد الجيش من الصورة، واحتفل باغتيال السادات في أكتوبر متجاهلاً الانتصار، وذلك عندما دعا قتلة السادات وحلفاءهم ليحتفلوا في غياب أهل مصر الحقيقيين وجيشهم.

تاريخ الأمم لا يمحوه تجاهل نظام لنظام، أو إسقاط مرحلة في ظل مرحلة أخرى، ولكن قدر الأمم وتحضرها يرتبطان بتلك المعايير التي من بينها إلى أي مدى هي تحترم تاريخها ولا تشوهه حتى لو كان فيه ما يعترض عليه.

نماذج عديدة لأمم ودول مرت بمراحل قد يعترض عليها أهل هذه الدول في مرحلة تالية، ولكنهم أبداً لم يطمسوا التاريخ أو يتجاهلونه أو يهينونه، أريد هنا أن أذكّر كنموذج بالإصلاحي الإنكليزي توماس كرومويل، أحد الأشخاص المهمين في تاريخ إنكلترا، أعدمه الملك هنري الثامن، وعلّق رأسه في وستمنستر، لكن تمثاله مازال قائماً لم يحطمه الملك ولا أعوانه، ومازال اسمه تحمله العديد من الشوارع المهمة والمؤسسات.

هذه مجرد تذكرة فقط بما حدث في بلادنا في سنوات قصيرة، لكن يبدو أن "آفة حارتنا النسيان"، كما قال نجيب محفوظ، أو "التناسي".