شعرتُ كما لو أن فلاديمير بوتين القديم قد عاد أخيراً مع نشر فيلم يظهر فيه الرئيس الروسي وهو يركب غواصة صغيرة بغية مشاهدة حطام سفينة تجارية اكتُشفت أخيراً قبالة سواحل القرم وتعود إلى الحقبة البيزنطية، إذ تحدث بوتين لاسلكياً مع رئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف وهو تحت الماء، قائلاً إن الحطام  يُظهر "مدى عمق جذورنا التاريخية"، ولكن كما ذكر ماكس سيدون من Buzzfeed، جاءت هذه المغامرة في وقت خطأ لأن في هذا الشهر  تصادف الذكرى الخامسة عشرة لغرق الغواصة كورسك، مما يُعتبر أسوأ كارثة بحرية في التاريخ الروسي وإحدى أدنى مراحل رئاسة بوتين، لكن أخبار الإعلام الرسمية لن تتوقف على الأرجح عند هذه الذكرى.

Ad

كان هذا النوع من المجازفات المغامِرة في الهواء الطلق- التي تشمل عادةً حيوانات برية ويكون فيها بوتين أحياناً عاري الصدر- شائعاً إلى حد ما، حتى إن هذه ليست رحلته الأولى في غواصة، لكن هذه المغامرات بدأت في مرحلة ما تسيء إلى بوتين: فقد جذبت الإشاعات عن أنه تعرض لإصابة على متن طائرة منزلقة وهو برفقة طيور الكركية اهتماماً غير مرغوب فيه بتقدمه في السن، فقد سخر منه كثيرون علانية بعد أن خرج ببزة السباحة من البحر الأسود عقب "اكتشافه" عدداً من القطع الأثرية، ونتيجة لذلك نقله مَن يتولون هذه المسائل في فريقه إلى صورة أكثر جدية وصرامة، ولكن بالنظر إلى الحوادث الأخيرة ربما تقرر أن ثمة حاجة إلى القليل من الخفة والمرح.

تتخبط روسيا وسط ركود عميق وهو الأول منذ عام 2009، فضلاً عن بلوغ الروبل خلال الأشهر الستة الأخيرة أدنى مستوياته مقابل الدولار، مع إعلان المحللين ضرورة إجراء تغييرات بنيوية عميقة بغية تصحيح اقتصاد البلد، ويعود السبب الأول في هذا التراجع إلى انخفاض أسعار النفط الذي يشكل مصدر نحو نصف عائدات الحكومة الروسية، التي تبيع راهناً برميل النفط مقابل 42 دولاراً مقارنة بنحو 115 دولاراً الصيف الماضي، كذلك حدّت العقوبات الغربية التي فُرضت بسبب الحرب في أوكرانيا من قدرة روسيا على الحصول على رؤوس الأموال الأجنبية، فضلاً عن المعدات التي تبدو بأمس الحاجة إليها في قطاع النفط.

في هذه الأثناء تلحق العقوبات، التي فرضتها روسيا على استيراد الأغذية الغربية رداً على عقوبات الغرب، الأذى بالمستهلكين الروس أكثر منه بالمنتجين الأجانب، مع تنامي أسعار السلع الاستهلاكية في حين يتراجع الاقتصاد.

وكما أشارت صحيفة نيويورك تايمز أخيراً، لم يؤثر كل ذلك سلباً في شعبية بوتين، التي لا تزال عالية بفضل تدخلاته التي تلقى تأييداً كبيراً في وجه المعارضة الغربية في القرم وشرق أوكرانيا، لكن المستقبل لا يبدو واعداً في هذا المجال أيضاً.

بالإضافة إلى المغامرات تحت الماء تشكل رحلة بوتين إلى القرم التي دامت ثلاثة أيام فرصة للمناداة بالتنمية والتكامل في هذه المنطقة التي اقتطعتها روسيا من أوكرانيا السنة الماضية، ولكن في مناطق أخرى من أوكرانيا لا تزال حالة من الجمود العنيف قائمة مع مقتل تسعة أشخاص أخيراً، في ما يُعتبر أحد أسوأ الصدامات بين الانفصاليين الذين تدعمهم روسيا والجنود الأوكرانيين منذ البدء بتنفيذ وقف هش لإطلاق النار في شهر فبراير.

ولكن إن استمر شرق أوكرانيا "صراعاً مجمداً" مع أعمال عنف محدودة ومتقطعة من دون أي حل سياسي مرتقب، حسبما أشار المحلل براين ويتمور أخيراً في صحيفة The Atlantic، فلا يُعتبر هذا جيداً بالنسبة إلى موسكو، التي ستجد نفسها قوة تحتل منطقة تعاني المشقات الاقتصادية حتى قبل أن تدمرها الحرب. في المقابل ستصبح أوكرانيا أكثر تحرراً في سعيها إلى بناء علاقة تكامل مع أوروبا، مع استبعاد الناخبين الروس في الشرق عن هذه العملية السياسية، وإن كان هدف بوتين الأساسي معاقبة القادة الأوكرانيين لرفضهم النفوذ الروسي، فقد ينتهي به المطاف على الأمد الطويل إلى تحقيق العكس.

مهما قام بوتين بمغامرات في غواصات فسيكون وقع حالة الاقتصاد المتردية في النهاية كبيراً على الحكومة، وخصوصاً إن لم تبصر أهداف سياسة الرئيس الخارجية النور، ويؤكد ويتمور أن هذا سيدفع بوتين نحو المزيد من الخطوات الدولية العدائية، منها تصعيد الصراع في أوكرانيا، أو ربما ينطلق في مغامرة جديدة لاقتطاع المزيد من الأراضي، ربما في القطب الشمالي؟

* جوشوا كيتنغ