قالت د. أمل الصبان، الأمينة العامة للمجلس الأعلى للثقافة، إن مشروع محمد مندور الحقيقي كان يتمثل في محاولته تأسيس مرحلة استقلال الناقد عن المبدع، ووضع أسس النقد المنهجي الذي يربط النقد بحركة المجتمع في سعيه نحو التحرر والاستقلال الوطني.

Ad

جاء كلامها في احتفالية أقامها المجلس الأعلى للثقافة بمناسبة مرور 50 عاماً على رحيل «شيخ النقاد}. وأكد الناقد الكبير صلاح فضل أن مندور هو مؤسس النقد الحديث، مستعيناً بثقافته الثلاثية بين القانون والاجتماع والأدب، والتي كانت عاملاً جوهرياً في إعداده للقيام برسالته في تأسيس النقد الأدبي، معتمداً على العنصر المنهجي، وكان مندور شغل نفسه بفنون عدة طوال سنوات بعثته في باريس، فدرس اللسانيات، خصوصاً علم الصوتيات والعمارة والفنون الجميلة والسياسة والاقتصاد، مما وفر له البنية الأساسية للمعرفة النقدية الجديدة عندما تتبلور في وعي الناقد محمد مندور، وكانت الطاقة المؤسسة لهذه المعرفة هي الطاقة المنهجية، ما جعل منه مؤسساً للنقد الأدبي الحديث. عن جينات التمرد لدى مندور، قال الناقد المغربي د. عبدالسلام المسدي إن مندور شخصية معرفية غير نسقية، ومن هنا بزغت بذور التمرد في شخصيته، ولنا مثال بالغ الدلالة في علاقته بأستاذه

د. طه حسين، وهي وحدها تمثل قصة فكرية نفسية لا بد من الوقوف على دلالات محطاتها، ومنها رفض طه حسين الاعتراف بالدكتوراه التي أنجزها مندور، واعتراضه على التحاقه بالتدريس في الجامعة، وهذا لم يمنع مندور من إهداء كتابه {في الميزان الجديد} إلى أستاذه طه حسين، وحين تٌوفي مندور قال عنه أستاذه العميد في حفل تأبينه: {خسرت الأمة بوفاة مندور أديباً نابهاً، وناقداً ممتازاً}.

شخصية مندور القلقة ومزاجه العصي اصطدما بآليات الثبات الأكاديمي، لا سيما تلك التي استقرت عليها الثقافة الفرنسية، خصوصاً في مؤسسات السوربون، فلم يستطع أن يميز تمييزاً فاصلاً بين الثقافة الموسوعية وبين التخصص الموسوعي، الذي انبنت عليه مدرسة السوربون، فجعل من نفسه بوعي أو من دون وعي شخصية ثقافية مناضلة أكثر من كونها شخصية معرفية ملتزمة بالمعنى الأكاديمي.

أشار الناقد الكبير

د. محمد عبد المطلب إلى ثلاثة مسارات نقدية لدى محمد مندور، فقال: {ثمة ثلاث مراحل تتكامل وتتواصل في مستواها العميق، وإن بدت منفصلة على السطح، وأولى هذه المراحل سماها مندور القراءة التحليلية، لكشف جماليات البناء اللغوي، والمرحلة الثانية هي مرحلة الوصف التحليلي، وهو مسار من مسارات الأسلوبية، وهاتان المرحلتان كانتا تمهيداً للمرحلة النقدية الثالثة لمسيرة مندور النقدية، وهي النقد الأيديولوجي، وهو النقد الموضوعي الذي يتعامل مع البنية التحية والفوقية للمجتمع}.

أما عن الفكر السياسي لمندور، فقدم المفكر اللبناني كريم مروة، رئيس الحزب الشيوعي اللبناني، بحثاً عنه، أشار فيه إلى أن مندور المثقف الديمقراطي لم يألف سياسة حزب {الوفد} الرسمية، فشق لنفسه داخل الحزب طريقاً مختلفاً نحو اليسار، متأثراً بدراسته الحركة الاشتراكية خلال بعثته إلى فرنسا، وكانت هي الأساس في تكوين الطليعة الوفدية اليسارية الاتجاه، وحين قامت ثورة يوليو، رحب بها لموقف قادتها من قضية الاستقلال الوطني، إلا أنه اختلف في قضية الديمقراطية، فعارضها، ففصل من الجامعة، وحرم من مناصب عدة، فضلاً عن اعتقاله أكثر من عشرين مرة، ولم يثنه هذا عن موقفه السياسي الداعم للديمقراطية}.

 عن انحيازات محمد مندور الاجتماعية، استعرض مهندس أحمد بهاء شعبان في بحثه مراحل تطور أفكاره السياسية حتى رست على شاطئ الاشتراكية، منطلقاً من إيمان عميق بقيم العدالة والمساواة والحق والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، مما وضع مندور على ضفاف الاشتراكية الديمقراطية.