كمواطن عربي أشعر بالفرح والفخر لنيل اللجنة الرباعية التونسية للمصالحة جائزة "نوبل" للسلام، وكمواطن مصري أتساءل: هل كان يمكن أن ينال الجائزة أي مصري أو لجنة مصرية خاصة مع تشابه الظروف في البلدين منذ يناير 2011؟في 2010-12-17 أضرم الشاب التونسي محمد بوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على سوء معاملة الإدارة الحكومية له (توفي في 4 يناير 2011) وكان هذا الحادث هو الشرارة التي بدأت معها ثورة الياسمين في تونس، وبعد أيام وفي 25 يناير 2011 دعا الشباب المصري إلى التظاهر في ميدان التحرير رفضا للنظام، وانطلقت ثورة يناير ولتقارب الثورتين وتشابه الحال في البلدين كثيرا ما تتم المقارنة بينهما، والتي بدأت منذ أن قال أحد أركان نظام مبارك ردا على سؤال حول احتمال تكرار ما حدث في تونس في مصر "مصر ليست تونس". كثير من التشابه وأيضا كثير من الاختلاف بين الثورتين ومسارهما، وهذا الاختلاف هو ما أدى في النهاية إلى نيل اللجنة الرباعية التونسية لجائزة نوبل، في حين تم إلغاء وزارة العدالة الانتقالية في مصر (التي قيل في مبرر إنشائها إنها لإتمام المصالحة الشعبية)، وكذلك فشلت جميع جهود المصالحة في مصر، فلماذا نالت المصالحة هناك جائزة نوبل وفشلت هنا في كل شيء؟بعد فرار بن علي وتنازل مبارك عن الحكم بدأت المرحلة الانتقالية في كلا البلدين، والتي انتهت بانتخابات أفرزت فوز التيار الإسلامي بالحكم في كلا البلدين، إلى هنا والتشابه مستمر، وبدأ الاختلاف عندما بدأ التيار الإسلامي في مصر النظر إلى الحكم كهدف ينبغي الاستمرار فيه والمحافظة عليه– وهذا تفكير أي حزب سياسي في أي بلد مستقر سياسيا- ولم يكن يدرك أن البلد لم يستقر بعد، وأن هناك من يتربص به ويسعى إلى إفشاله، في حين كانت نظرة التيار الإسلامي في تونس مختلفة تماماً، فقد كان يرى أن البلد (تونس) ما زال في حال مخاض ثوري ويجب عدم النظر إلى الحكم على أنه غاية أو هدف بل وسيلة فقط للوصول إلى الاستقرار السياسي، وأن يملك الشعب قراره ويتخلص من عقود طويلة من الدكتاتورية وحكم الفرد.كان هذا اختلاف رؤية الحاكم في كلا البلدين، واختلف أيضا موقف الجيش، ففي مصر رأى أنه فقد إرثاً خاصاً به (الحكم) يجب ألا ينازعه فيه أحد، ولا يمكن لأي قوى مدنية أن تتولى الحكم؛ لذلك أدخل نفسه في العملية السياسية وأصر على ممارسة السياسة بأسلوبه العسكري، فأفقد السياسة ميزتها وأضاع قيمة العسكرية ومكانتها. وعلى النقيض كان الموقف في تونس، فكان الجيش سعيدا بما حدث، ورأى أنه تخلص من إرث مزعج (الحكم) وأيقن أن عليه ألا يتدخل في السياسة إطلاقا، وأن يتفرغ تماما لمهامه الوطنية وحماية البلد والحفاظ على سلامته ووحدته.هكذا كان الاختلاف بين البلدين في نظرة الحاكم وموقف الجيش؛ لذلك عندما سعى البعض هناك للمصالحة تشكلت اللجنة الرباعية، ونجحت ونالت جائزة نوبل للسلام، وعندما تم تشكيل وزارة العدالة الانتقالية هنا للسبب نفسه (كما قيل) فشلت وتم إلغاؤها، وغرقت البلاد في الانقسام والخلاف، بل كان هناك– وياللعجب- من يغني "إنتو شعب وإحنا شعب" ووجد من يصفق ويهلل له!!وفي النهاية ومع تمني استمرار استقرار تونس وحصد الشعب ثمار ثورته الياسمينية، هل يمكن أن تنجح مصر في إتمام المصالحة والقضاء على الانقسام وعودة السلام بين جموع الشعب، ولو بدون الحصول على جائزة نوبل؟ هل يمكن هذا أم أنه حلم بعيد المنال؟
مقالات
نوبل بين مصر وتونس
23-10-2015